الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (114) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (18)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وكذا آخر كَثُرت كتابته في حبِّ جميع البشر؛ مسلمهم وكافرهم، وإنما نعتقد بطلان عقائدهم، ثم تدرَّج به الحالُ في مقتل الصحفية "شيرين أبو عاقلة"، فقال هو وغيره بأنها شهيدة، وأنه لا يلزم وصف الإسلام للحكم على شخصٍ بالشهادة، وجوزوا، بل استحبوا الترحم عليهم، مع أن الترحم أعظم من الاستغفار الذي نهى الله -عز وجل عنه- في القرآن! بل واستنكروا على المنكرين للترحم والدعاء للكفار، وقد رحلوا عن هذه الدنيا على الكفر؛ فلم يبقَ مِن الترحم إلا طلب الرحمة في الآخرة، وهذه ليس لها معنى إلا دخول الجنة، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ ) (متفق عليه) .
فالاستغفار يعني عدم المعاقبة على الذنوب وسترها، وقد قال -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء: 48) ، وأما الترحم فمعناه: نيل الرحمة وليس فقط ترك المعاقبة، والجنة رحمة الله في الآخرة.
وذاك الآخر الذي ترحَّم على بابا الفاتيكان حين هلك، وأثنى عليه لخدمة دينه!
وكل هذا الباطل المنكر الذي وَقَع فيه هؤلاء، وغيرهم المئات أو آلاف، وتبعهم ربما ملايين؛ بسبب فصلهم بين الشرك والمشركين، واعتبارهم محبوبين لا مانع من مودتهم وموالاتهم إذا كنا نتبرأ من الشرك!
وزعموا أن هذا من البر والقسط، وليس هذا من معنى البر ولا القسط؛ فإن الموافقة على الباطل ومحبة أهله هي مِن الموالاة التي نَهَى الله عنها، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ المُشْرِكِينَ ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني) .
والمجمع عليه بين المسلمين: عدم جواز التوادِّ والحب، والترحم والاستغفار للمشركين؛ قال -تعالى-: ( لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ ) (المجادلة: 22) .
فرغم وجود المودة الطبيعية بالأبوة والبنوة والأخوة، والعشيرة، ومع ذلك أوجب الله -عز وجل- على المؤمنين أن لا يودوا الكفار؛ بسبب كفرهم، وقال -سبحانه وتعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113-114) . ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ ) أي: بموت أبيه على الكفر ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ).
وقال -سبحانه وتعالى- في أبي طالب لما مات على الكفر، واستغفر له النبي -صلى الله عليه وسلم- قبل نزول النهي: ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ? وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (القصص: 56) .
فرغم وجود المحبة الفطرية؛ لكونه عمه، ولكونه كان يدافع عنه؛ إلا أن الله نهاه عن الاستغفار والدعاء له، وأخبر أنه من أصحاب الجحيم.
ولا يتصور التفريق بين الشرك والمشركين؛ إلا في مسلم نطق الشهادتين، واعتقد التوحيد إجمالًا، ونبوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إجمالًا ثم جهل، أو تأول، أو أخطأ، أو أُكْرِه على كفر أو شرك؛ فقاله أو فعله أو اعتقده؛ فهو معذور في أمر التكفير: بالخطأ، والإكراه، والنسيان، والجهل، والتأويل، وكذا الصغر، والجنون؛ لنصوص الأحاديث الصحيحة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ، عَنِ الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ حَتَّى يَفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ قَدْ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي: الْخَطَأَ، وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) ، وقال -تعالى-: ( وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ ) (الأنعام: 19) ، فلا بد أن يبلغه القرآن حتى يكون منْذَرًا؛ وإلا كان معذورًا بجهله؛ لعدم البلاغ.
أما مَن بلغته الحجة، وانتفت عنه الأعذار؛ لاستيفاء شروط التكفير وانتفاء موانعه، فلا بد أن يُعامَل بناءً على ذلك الكفر، ووجبتِ البراءةُ منه، وإظهار العداوة والبغضاء أبدًا حتى يؤمنَ بالله وحده.
ولا بد أن يعلمَ في هذا المقام: أن المسالمة وترك القتال حتى ولو بالدخول في سلطان الإسلام بأوثق المواثيق: بعقد الذمة وبذل الجزية؛ فضلًا عمَّا دون ذلك من العهود: كالهدنة، والأمان، والعهد المطلق؛ هذه العهود لا تنهي العداوة والبغضاء، وإنما تنهي استباحة الدماء والأموال؛ فإن قضيةَ الموالاة ليست مرتبطة بكونهم مسالمين أو محاربين، وإن كانت العداوة للمحاربين أعظم، لكن الحب والرضا، والمتابعة والطاعة، والتشبه بهم، والصداقة لا تحصل لأحدٍ حتى يؤمن بالله وحده، ويتبع الرسول -صلى الله عليه وسلم-، كما قال -تعالى-: ( وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ )، مع أن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يكن ممَّن أُمِر بقتالٍ أو استباحةِ أموال الكفار، فلا يُتصوَّر أن المقصود هو ترك القتال؛ لأنه لم يكن شرع، وإنما المأمور به ترك الموالاة، وبقاء العداوة والبغضاء وإظهارها، واعتقاد الكفر فيهم حتى يؤمنوا بالله وحده، كما نَصَّتِ الآيةُ الكريمةُ. والله أعلم.
