الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد حظى مفهوم الاقتصاد الأخضر باهتمام دولي كبير على مدى السنوات الماضية لأهمية الاقتصاد الأخضر في الحفاظ على البيئة؛ فإنه يعمل على تحقيق التنمية المستدامة التي تؤدي إلى تمكين العدالة الاجتماعية في حق الأجيال القادمة مع العناية بالرخاء الاقتصادي للأجيال الحالية، أي بناء اقتصاد متوازن ومتنوع يحفظ حق الأجيال القادمة في حياة كريمة من خلال التبني للمشروعات التي تهتم بالاستدامة، وبالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة وترشيد الاستهلاك وتشجيع الزراعة العضوية والتوسع في تدوير المخلفات وغيرها.
ومن المفاهيم الجديدة في هذا الإطار: مبادرة اقتصاد الكربون الدائري ذات المضمون الواقعي الجديد والتي تقوم على تخفيف كميات الكربون المنبعثة من مصادر الإنتاج والاستهلاك وجمع ما تبقى منه قبل انبعاثه في الأجواء، وذلك لاستخدامه في عمليات لإنتاج مواد أخرى مفيدة وتخزينه، وهو ما يعرف بـ(مرحلة الاسترجاع)، بدلًا من إعادة استعمال الكربون وإعادة تصنيعه، كما يحدث في طرق الاقتصاد الدائري التقليدية.
والجديد في المبادرة الجديدة هو العمل أيضًا على استرجاع الكميات الفائضة من الكربون الموجودة في الأجواء المختلفة عن طريق امتصاصها طبيعيًّا واستخدامها أو تخزينها، وفي هذا الصدد فهناك العديد من الأبحاث التي تجرى في إطار التقاط الكربون وإعادة استخدامه وتخزينه.
حاجة الدول العربية للاقتصاد الأخضر:
تعد المنطقة العربية من المناطق شديدة الهشاشة في العالم، فمعظم الدول العربية تقع في نطاقات جافة أو شبه جافة، حيث تواجه العديد من التحديات البيئية مثل التصحر والفقر المائي وشح الأمطار، وارتفاع درجة الحرارة، ونقص الأمن الغذائي، وتأثرها كسائر الدول الإفريقية والآسيوية النامية بالتغيرات البيئية والتلوث البيئي، وهو الأمر الذي يترتب عليه كثير من المشاكل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ لذا فهي من أشد مناطق العالم احتياجًا إلى الأخذ بمفهوم الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة، ولهذا شاهدنا في الآونة الأخيرة تحركًا عربيًّا جادًّا تجاه التعامل مع هذه القضية بجدية.
ومن أبرز مظاهر ذلك:
- استضافة المملكة العربية السعودية للقمة الأولى لمبادرة الشرق الأوسط الأخضر في الرياض في 25 أكتوبر 2021م، والتي أسهمت في تفعيل أول حوار إقليمي بشأن المناخ في المنطقة.
- استضافة جمهورية مصر العربية للدورة السابعة والعشرين الأخيرة من مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية حول تغير المناخ (كوب 27) في عام 2022م الماضي.
- استضافة دولة الإمارات العربية المتحدة القادمة للدورة الثامنة والعشرين (كوب 28) خلال العام الحالي 2023م.
إن التحول للاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة من شأنه: تحقيق الأمن في مجال المياه والطاقة والغذاء، وكلها أولويات للمنطقة العربية، كما أن هذا التحول يساهم في دعم الاقتصاد ككل؛ لما فيه من الترشيد وزيادة الكفاءة في استخدام الموارد الطبيعية من: مياه، وطاقة، وأراضي، والإقلال من الهدر ومن إفرازات المخلفات التي تنتج من العمليات الإنتاجية في كافة الأنشطة الاقتصادية، مما يخفض من تكاليف الإنتاج ويزيد من تنافسية المنتجات العربية، وبالتالي الصادرات، وزيادة العائد منها، مما يدعم الاقتصاد والناتج المحلي.
كما أن الترشيد في استخدامات الموارد في حدِّ ذاته يعمل على تحرير تلك الموارد وإمكان توجهها كمدخلات للأنشطة الاقتصادية الأخرى، مما يدعم عملية التنمية؛ بالإضافة إلى أن الترشيد في استخدام الموارد يخفض من تكاليف استيراد مدخلات الإنتاج اللازمة في العديد من الأنشطة الاقتصادية، وبخاصة الطاقة وعناصر الإنتاج الأخرى، مما ينتج عنه وفر في العملة الصعبة وزيادة الاحتياط منها.
لقد أصبح من المحتم علينا في المنطقة العربية وقبل فوات الأوان العمل على:
- زيادة الرقعة الخضراء.
- تحسين التربة وزيادة خصوبتها وإنتاجياتها.
- زيادة إنتاجية المياه عن طريق الحصول على نفس المحصول الزراعي بمياه أقل، أو الحصول على غلات محاصيل أكثر بنفس الكمية من المياه.
- المحافظة على التنوع الحيوي في البيئات المختلفة.
- مكافحة التلوث بشتى صوره.
- زيادة مخزون المياه الجوفية، والاستفادة المثلى من الموارد المائية المتاحة.
- الاستفادة القصوى من مياه الأمطار.
-إنشاء برنامج إقليمي لبذر السحب (الإمطار الصناعي) لزيادة معدلات هطول الأمطار.
- المحافظة على البيئة البحرية والنهرية من التلوث.
- زيادة نسبة الغابات والمحميات الطبيعية.
- تحقيق الأمن الغذائي في الوطن العربي؛ خاصة في ظل الأزمة العالمية في إنتاج وتوفير الغذاء.
- إيجاد قاعدة بحثية علمية متكاملة من خبراء المنطقة العربية في مجال البيئة.
برنامج (نوفي) في مصر:
أعلنت وزارة التعاون الدولي في مصر خلال استضافة مصر لمؤتمر (كوب 27) عن تبنيها لبرنامج (نوفي) لاستقطاب وجمع تمويلات إنمائية ميسرة عبر الشراكات والاتفاقيات مع مختلف المستثمرين من جميع دول العالم بقيمة 3.10 مليار دولار لتمويل مشروعات في قطاعات الطاقة والغذاء والمياه، ومن بين التمويلات التي تم جمعها خلال استضافة المؤتمر: 2 مليار دولار استثمارات للقطاع الخاص لتحفيز انخراطه في جهود التنمية وتعزيز مشاركته في التحول إلى الاقتصاد الأخضر.
وقد وقَّعت الحكومة المصرية خلال استضافة المؤتمر 4 اتفاقيات تمويل تنموي في قطاع الأمن الغذائي، واحدة منها بقيمة 500 مليون مع مجموعة البنك الدولي، وأخرى بقيمة 271 مليون دولار من مجموعة بنك التنمية الإفريقي؛ كلاهما في إطار دعم جهود الأمن الغذائي.
وتعد إدارة منصة (نوفي) للموارد والمشروعات الخضراء في مصر إحدى أدوات تحول الدولة إلى الاقتصاد الأخضر خلال الفترة المقبلة.
