شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الاقتصاد الأخضر والتنمية المستدامة

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالاقتصاد الأخضر مبادرة أطلقها برنامج الأمم المتحدة للبيئة في أكتوبر عام 2008م، وقد عَرَّف برنامج الأمم المتحدة للبيئة مصطلح الاقتصاد الأخضر بأنه: (اقتصاد يؤدي إلى تحسين الرفاه والإنصاف الاجتماعي، مع العناية في الوقت نفسه بالحد على نحو ملحوظ من المخاطر البيئية).

ويعد الاقتصاد الأخضر خطوة ضرورية، بل هو البداية لتحقيق التنمية المستدامة، وتنبع أهمية التنمية المستدامة من كونها إستراتيجية عالمية للحفاظ على البيئة ومواردها التي تستنزف لتلبية احتياجات الحاضر من الموارد الطبيعية على تنوعها دون الوقوع في الإضرار باحتياجات الأجيال القادمة من هذه الموارد في المستقبل.

فالتغير المناخي وتلوث الهواء كلها عوامل تهدد التوازن البيئي، وتهدد حياة الإنسان وبقاءه على حدٍّ سوء؛ حيث يسعى الاقتصاد الأخضر إلى الحد من المخاطر البيئية الناجمة عن استخدام الوقود الأحفوري: كالبترول، والفحم الحجري، والغاز، واستبدالها بمصادر طاقة متجددة لا تضر البيئة وتحافظ على المناخ، ويدعو إلى تحقيق التنمية المستدامة من خلال توجيه الاستثمارات نحو بناء رأس مال خدمات للنظم الأيكولوجية (النظم البيئية)، ودعم سياساتها التي تساهم في تكوين أنماط التدخل وسبل المعيشة، كما يحث على التجارة في السلع المنتجة بطرق مستدامة، وكل هذا له مردوده على القضاء على الفقر.

سياسات واستثمارات للاقتصاد الأخضر:

ولتحقيق الاقتصاد الأخضر لا بد من مراجعة السياسات الحكومية وإعادة تصميمها لتحفيز التحولات في أنماط الإنتاج والاستهلاك والاستثمار؛ بالإضافة إلى الاهتمام بالتنمية الريفية بهدف تخفيف الفقر في الريف، مع زيادة الموارد، والاهتمام بموارد المياه وترشيد وضبط استخدامها ومنع تلويثها، والعمل على تشجيع الاستثمارات المستدامة في مجال الطاقة وإجراءات رفع كفاءتها، ووضع إستراتيجيات منخفضة الكربون للتنمية الصناعية، واعتماد تكنولوجيا الإنتاج الأنظف التي تسمح بتقليل انبعاثات الكربون والتلوث وتعزيز كفاءة الطاقة والموارد ومنع فقدان التنوع البيولوجي.

ضرورة تدعيم برامج التشجير:

ومن الأمور المهمة لخفض الانبعاثات الكربونية تنفيذ برامج كبيرة لإعادة التشجير في كل مكان، فأنشطة التشجير وإعادة التشجير تعد أداة فاعلة للدول للمساهمة في حل قضايا البيئة المحلية والعالمية والتي تتمثَّل في التغيرات المناخية والتلوث، والتصحر، وتدهور الأراضي، ونقصان التنوع البيولوجي، حيث تلعب الغابات والأشجار دورًا رئيسيًّا في حفظ التوازن البيئي العالمي، واستدامة موارده وتنوعه الحيوي.

فعلى سبيل المثال: فإن شجرة واحدة يمكنها تخزين نحو 22 كيلو جرام من ثاني أكسيد الكربون في المتوسط خلال سنة واحدة، وعليه فتوفر غابات سليمة يمكنها استيعاب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون لبلدان بأكملها، فالتشجير تقنية مضمونة لامتصاص واحتجاز الكربون والمساهمة في تحقيق المستهدفات العالمية لمكافحة التغير المناخي وتقليل حدة آثاره، بل والمساهمة في خفض درجات الحرارة، إلى جانب أهميتها في منع التصحر، فهي بمثابة حزام أخضر يحمي التربة والمزروعات من الرياح، ورمال الصحراء والأتربة، وعوامل التعرية المختلفة ومقاومة التلوث.

لذا كان من المستهدف عالميًّا زراعة 50 مليار شجرة في جميع أنحاء المنطقة العربية والشرق الوسط لتقليل الانبعاثات الكربونية بأكثر من 278 مليون طن سنويًّا بحلول عام 2030م؛ لذا كان من الواجب المبادرة إلى زيادة الرقعة الخضراء بزرع الأشجار عبر إطلاق برامج شاملة كثيرة ومتنوعة يشارك فيها الجميع، سواء الجهات الحكومية أو القطاع الخاص، وكذلك الأفراد والمنظمات الوطنية والمجتمعية من خلال عمليات الزراعة والتشجير والحماية والصيانة لها، وتعزيز الإطار القانوني لها بما يضمن مشاركة الجميع في الزراعة.

ويضمن أيضًا حماية ما يزرع وما يغرس، مع إنشاء نظام خاص لمتابعة أنشطة المبادرة وتنفيذها، ومنها: تشجير المناطق المتدهورة والمراعي الطبيعية والمتنزهات، والتشجير الزراعي حول المزارع أو في داخلها، والتشجير الحضري داخل المدن، من خلال تشجير الشوارع، وأماكن السكن والمؤسسات، ومناطق الترفيه والمدارس، وكذلك تشجير الطرق الدولية، وخطوط السكك الحديدية.

وهذه المبادرة -بالإضافة إلى دورها في تحسين البيئة وضمان عطائها للأجيال القادمة- سوف توفر الكثير من فرص الاستثمار للقطاع الخاص، وتوفر فرص عمل جديدة للمجتمعات والأفراد.

ولتوفير استخدام المياه في زيادة رقعة الغطاء النباتي، وهي أحد العوائق أمام التوسع في عمليات التشجير، يمكن استخدام المياه المعالجة في الزراعة، إلى جانب استخدام تقنيات حصاد مياه الأمطار المختلفة في عمليات التشجير.

وللتقليل من تكلفة عمليات التشجير الواسعة المطلوبة يراعى:

- اختيار أصناف من الأشجار عالية التحمل لظروف الجفاف وملوحة المياه والتربة وارتفاع درجات الحرارة.

- استخدام تقنيات جديدة تحد من الاعتماد على المياه الجوفية في عمليات الري، والتركيز أكثر على استخدام حصاد الأمطار ومصادر المياه غير التقليدية لتوفير احتياجات هذه الزراعات من المياه.

- استخدام نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد لتطبيق نماذج تساهم في اختيار المواقع الأنسب والأصناف الأنسب لها؛ مما يساعد على استدامة هذه المشاريع حتى بعد انتهاء المخصصات المالية المرصودة لتمويلها.

- تجنب زراعة الأشجار المثمرة التي تحتاج إلى رعاية عالية سواء كان ذلك بتوفير الاحتياجات المائية أو الرش أو التسميد أو التنقيب وغيرها، والتركيز في المقابل على زراعة نوعيات الأشجار الغابية أو الرعوية التي تتحمل الظروف القاسية.

- التركيز على زراعة النباتات التي لها مساهمة عالية في تحسين خواص التربة، أو تترك مخلفات عضوية تبقى وتغني محتويات التربة: كالأشجار، والشجيرات البقولية، مثل: الأكاسيا والطلح والخروب، خصوصًا في الترب الفقيرة، وتجنب زراعة النباتات ذات خواص التضاد البيو كيميائي، كالسرو -على سبيل المثال-، لكونها تفرز مركبات أيضية ثانوية في الوسط المحيط بها تثبط نمو وتطور النباتات الأخرى.

الصفحة التالية