شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

دور الانقسامات وغياب التوافق في أزمة السودان

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فبين مصر والسودان أواصر وروابط قوية تضرب بجذورها في عمق التاريخ؛ إذ يربطهما نهر النيل بمصير واحد، فهو شريان الحياة فيهما، كما تجمعهما الملاحة في البحر الأحمر وتأمينها.

وتعد قضايا أمن السودان أمنًا قوميًّا لمصر، كما يعد أمن مصر أمنًا قوميًّا للسودان، وفي العصر الحديث عمد "محمد علي باشا"، وهو يؤسس دولته الحديثة إلى مدِّ إدارته إلى جنوب مصر وإلى السودان.

وقد تطورت السودان تطورًا اقتصاديًّا كبيرًا في ظل الإدارة المصرية، حيث قسمت إلى مديريات، وتم إنشاء مدينة الخرطوم، والتي بدأت ببناء قرية عند التقاء النيلين: الأبيض والنيل الأزرق؛ لتكون مقرًّا للحكمدار الذي بيده سلطة البلاد، كما تأسست أيضًا وقتها مدينة (كسلا).

ورغم ما فرض على مصر من القيود بعد عام 1840 أضعفت من جهودها الإصلاحية في السودان، فقد شهد عهد الخديوي إسماعيل نهضة اقتصادية في السودان؛ إذ كان إسماعيل يدرك أهمية السودان لمصر، ويدرك أهمية الوصول إلى منابع النيل وتأمينها؛ لذا ضمت الإدارة المصرية مناطق جديدة، منها مناطق مطلة على البحر الأحمر، ومنها مناطق تمتد داخل منابع النيل الاستوائية.

وفي أعقاب قيام حركة المهدي وثورته وسقوط الخرطوم تحت سيطرته تم إخلاء السودان، لكن إنجلترا -وكانت وقتها تفرض حمايتها على مصر- نجحت في العودة إلى السودان والقضاء على حركة المهدي فيها، وتم في يناير 1899م وضع نظام للحكم الثنائي للسودان يضم مصر وإنجلترا عُرِف تاريخيًّا: بـ"اتفاق الحكم الثنائي".

وبعد قيام الملكية في مصر أصبح ملك مصر ملكًا على مصر والسودان، واستمر الأمر على ذلك حتى قيام ثورة يوليو 1952م، وخلال مفاوضات الجلاء بين ضباط ثورة يوليو وإنجلترا في عام 1953 تم اتفاق الطرفين على تقرير المصير للسودان كوحدة واحدة لا تتجزأ، وذلك بعد فترة انتقالية يتم خلالها تصفية الإدارة الثنائية للسودان، ويتم فيها سحب القوات المصرية والبريطانية، وانتخاب جمعية تأسيسية لوضع دستور للسودان؛ على أن تحترم مصر وبريطانيا ما تقرره الجمعية التأسيسية، وأن للسودان الارتباط بمصر بأي صورة ترتضيها أو تنفرد بالاستقلال التام.

وفي ديسمبر 1955م أعلن مجلس النواب السوداني قراره باستقلال السودان التام دون حاجة لإجراء استفتاء على تقرير المصير، وأعلن بالفعل في أول يناير 1956م استقلال دولة السودان، وأعلنت حكومة مصر اعترافها رسميًّا بالاستقلال، وتم قبول السودان المستقل في جامعة الدول العربية وفي الأمم المتحدة.

الاضطراب السياسي في السودان:

عانى السودان التفكك وعدم الاستقرار السياسي، وتعرض لكثيرٍ من الأزمات الاقتصادية، بحكم اتساع مساحته وتنوع طوائفه، واختلاف ثقافاته، مع التنازع الدائم على السلطة، حيث تعاقبت على الحكم حكومات مدنية وعسكرية لم تنجح بشكل كامل في انتشال السودان من أزماته التي تتراكم من بعد الاستقلال إلى الآن، وإن ظل الحكم العسكري هو الأكثر تواجدا في السلطة.

- في يناير 1956م تشكَّلت أول وزارة برلمانية برئاسة إسماعيل الأزهري رئيس الحزب الوطني الاتحادي.

- وفي يوليو 1956 تم حجب الثقة عنها، وانتخب (عبد الله خليل) السكرتير العام لحزب الأمة رئيسًا للوزراء.

- وخلال عامين من الخلافات داخل الائتلاف الحكومي تعرض فيها السودان لتدهور اقتصادي وتفكك سياسي؛ قام الفريق (إبراهيم عبود) بالاستيلاء على الحكم في نوفمبر 1958م، حيث قام بحلِّ الأحزاب السياسية وعيَّن نفسه حاكمًا للسودان.

- وفي أكتوبر 1964م قامت ثورة شعبية غير دموية، وبعد مظاهرات وأعمال شغب وإضراب عام غادر إبراهيم عبود الحكم، وتم الاتفاق بعد مفاوضات على تشكيل حكومة انتقالية برئاسة سر الختم خليفة.

- وفي ربيع 1965م تمَّ تشكيل حكومة ائتلافية من حزبي الأمة والحزب الاتحادي، برئاسة محمد أحمد المحجوب، ولكن هذه الحكومة سحبت منها الثقة في يوليو 1966م، وتم تشكيل حكومة جديدة برئاسة صادق المهدي رئيس حزب الأمة، وبعد سحب الثقة منها هي أيضا في مايو 1967م حلَّت محلها وزارة المحجوب.

- ثم في مايو 1969م، قام العقيد جعفر النميري بالاستيلاء على الحكم.

تبنى النميري الاتجاه الاشتراكي لتحقيق إصلاح اقتصادي واجتماعي؛ فاحتكرت الدولة السلع، وقيَّد القطاع الخاص، وصدر قانون للحراسة العامة؛ فصودرت شركات وأُممت البنوك.

- وبعد استفتاء شعبي تم اختيار النميري رئيسًا للسودان في أكتوبر 1971م، وفي مواجهة التمرد في جنوب السودان تم بعد مفاوضات توقيع اتفاقية أديس أبابا، والتصديق عليها؛ مما ساهم في رفع شعبية النميري، وتم وضع دستور دائم للبلاد في مايو 1973م، ولكن النميري عاد ليخفف من تدخل الدولة في الاقتصاد، بتشجيع رأس المال الخاص، وتشجيع الاستثمار؛ مما ساهم في جذب استثمارات عربية خليجية، وبدأت عمليات للكشف عن البترول؛ خاصة في جنوب غرب السودان.

- وفي عام 1984م أعلنت الأحكام العرفية، وتعرَّضت إثيوبيا والسودان لجفاف عظيم، وقامت المظاهرات المعارضة لاستبداد النميري بالحكم، وشهدت الخرطوم إضرابًا عامًّا؛ فأعلن الفريق عبد الرحمن سوار الدهب القائد العام ووزير الدفاع في إبريل 1985م استلام الجيش للسلطة، وتم تعيين حكومة مدنية مؤقتة خلال فترة انتقالية، وبعد انتخابات تم تشكيل حكومة ائتلافية بزعامة صادق المهدي في منتصف مايو 1985م -رئيس حزب الأمة- عانت من نزاعات حزبية وطائفية مع تدهور في أحوال البلاد، فقام العميد عمر البشير بانقلابٍ أطاح بالحكومة في يونيو1989م، وتم تشكيل حكومة في أكتوبر1989، وتم تعيين مجلس وطني انتقالي.

- وفي 1995 تم إنشاء مجلس شعبي منتخب حَلَّ محل المجلس الوطني الانتقالي، وبعد انتخابات في مارس 1996 صار البشير رئيسًا للبلاد.

- وفي ديسمبر 1998م سمح بالتعددية الحزبية، ورغم تدفق البترول والاستثمارات الخليجية؛ فقد عانى السودان من عزلة وعقوبات دولية بسبب علاقات البشير لفترة بالمجاهدين الأفغان، وأسلوب معالجته لحركات التمرد في السودان، وبعد استفتاء في جنوب السودان مطلع عام 2010 تم إعلان انفصال جنوب السودان وقبول حكومة السودان لذلك.

أزمة ما بعد إسقاط البشير:

الصفحة التالية