دور الانقسامات وغياب التوافق في أزمة السودان
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
في ديسمبر 2018م قامت تظاهرات في السودان تتزعمها معارضة مطالبة بإسقاط نظام البشير بعد 30 عامًا أمضاها في الحكم، وإقامة حكومة مدنية، بعد ما شهدته السودان من ارتفاع الأسعار والتضخم وزيادة الضرائب، ورفع الدعم عن المحروقات، وارتفاع الدَّين الخارجي إلى 58 مليار دولار.
- وفي إبريل 2019 أعلن وزير الدفاع والقائد العام للجيش عزل البشير، وتعطيل الدستور، وإعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة شهور، وتكوين مجلس عسكري انتقالي لمدة عامين.
وفي اليوم التالي أعلن عن استقالة وزير الدفاع، واختيار الفريق عبد الفتاح البرهان رئيسًا لمجلس السيادة؛ لكونه شخصية معتدلة مستقلة، ولا تنتمي لتنظيم سياسي، وهو مقبول نسبيًّا من الجميع، وتم اختيار الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) قائد "قوات الردع السريع" نائبًا للبرهان، وتم الاتفاق على تقسيم السلطة بين الجيش والمدنيين لفترة انتقالية ثلاث سنوات.
- أعلن في نفس الشهر عن تشكيل حكومة كفاءات مدنية مستقلة برئاسة "عبد الله حمدوك" تتولى إدارة الأمور، مهمتها: إيقاف الحروب الدائرة، وتوفير الاحتياجات اليومية، وإعادة هيكلة الدولة والنهوض بالاقتصاد في مواجهة العقوبات الأمريكية والدولية المفروضة على السودان لمدة عقدين، ومعالجة أمر الدَّين الخارجي، ولكن بعد مفاوضات مع المعارضة وباقي الأطراف الأخرى في البلاد تمت إقالة الحكومة الأولى بعد نحو عام ونصف عام، وتشكيل حكومة ثانية برئاسة حمدوك، مهمتها: تحقيق العدالة، وفك العزلة الاقتصادية، وإصلاح جهاز الدولة، على أن تقوم هذه الحكومة على مبدأ المحاصصة بين الأحزاب والقوى الفاعلة؛ فيكون لكلٍّ منها حصة خاصة من وزارات الحكومة.
- وفي أكتوبر 2021م، تراجع الجيش عن تعهداته التي اتخذها قبل عامين بشأن تقسيم السلطة تمهيدًا لانتخابات حرة، حيث قام بالاستيلاء على مقاليد الحكم، وإقالة حكومة حمدوك الثانية واعتقاله ووزرائه؛ بدعوى منع انزلاق البلاد إلى الفوضى؛ مما أدَّى إلى تجدد المظاهرات المناهضة للجيش، فأعلن الجيش الانسحاب من العملية السياسية، وترك الفرصة للأحزاب والقوى المدنية للتوافق فيما بينها.
انقسامات وعدم توافق:
رغم حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، فإن السودان تشهد حالة غير عادية من الانقسامات داخل القوى الوطنية، وداخل الأحزاب نفسها، وداخل الجيش؛ تسببت -وما زالت تتسبب- في حالةٍ مِن فقد الحد الأدنى من التوافق بين جميع الأطراف، وتنازعها وصراعها على صدارة الحكم، مع تجاهل مردود ذلك وانعكاسه على أوضاع البلاد: السياسية، والاقتصادية، والعسكرية؛ ففي السودان أكثر من 100 حزب سياسي، يرى كل منها أحقيته في المشاركة في الحكومة! وهناك 37 حركة عسكرية تتصارع فيما بينها، وهي في مواجهة مع الجيش السوداني المركزي في الخرطوم، وهدف برنامج كل منها الوصول للسلطة دون تبني برنامج حقيقي يهدف إلى إخراج البلاد من أزماتها. ومنها حركات مسلحة ما زالت تصر على الاحتفاظ بقواتها وعتادها العسكري؛ رغم قبولها المشاركة في السلطة، ومشاركة قادتها في الوزارات.
وتعاني الأحزاب الكبيرة في السودان أيضًا مِن داء الانقسام داخل الحزب الواحد كما هو الحال في الحزبين الكبيرين: الأمة والاتحادي، فهناك احتمال لانقسام حزب الأمة بين فريق مؤيد يمثِّله التيار الراديكالي للحزب، يرى المضي خلف تَوَجُّه قوى "الحرية والتغيير" (المجلس المركزي) باستبعاد تيارات من السلطة الانتقالية، ويمثِّله: مريم صادق المهدي وزيرة الخارجية السابقة، والصديق الصادق المهدي، وزينب الصادق المهدي وزوجها: الواثق البرير، وفريق ثاني يرى: أن الإصرار على ذلك يمنع الوصول إلى توافق وطني، ويمثِّله: مساعد رئيس الجمهورية السابق عبد الرحمن الصادق المهدي، وشقيقه القيادي السابق بجهاز الأمن بشرى الصادق المهدي؛ بالإضافة إلى زعيم الحزب ناصر بورمه.
ولحق الانقسام كذلك بقوى الحرية والتغيير التي قادت الثورة ضد البشير، والتي انقسمت إلى قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي)، وقوى الحرية والتغيير لجنة الميثاق، وقوى الحرية والتغيير الجذري؛ إضافة إلى لجان المقاومة التي تنتشر في جميع مدن السودان بتشكيلات مختلفة لم تتوحَّد حتى الآن في كيان سياسي واحد، كما أنه انفصل عن قوى الحرية والتغيير ما يعرف باسم: تنسيقيات الثورة، وروابط أسر الشهداء.
أما الحركة الشعبية لتحرير السودان قطاع الشمال؛ فقد انقسمت إلى حركة يقودها: عبد العزيز الحلو التي ترفض أي توافق أو حوار سياسي، وهي التي تقود التمرد العسكري في جنوب كردفان، وإلى الحركة الشعبية التي يقودها: مالك عقار، وياسر عرمان، والتي انقسمت بدورها إلى عقار في السلطة، وعرمان في المعارضة.
وتعاني القبائل في السودان من العنصرية؛ فترى كل قبيلة أنها صاحبة الشرف الرفيع وتنحط في نظرها القبائل الأخرى؛ لذا فتقوم قبائل منها بحماية اللصوص والمجرمين من أفرادها إذا اعتدوا على قبيلة أخرى، وقد قامت حروب بين تلك القبائل قُتِل فيها المئات، وتشرد بسببها الآلاف، وأعلنت بعض القبائل عن ترسيم لها وكأنها دولة مستقلة (راجع في ذلك مقال: "العنصرية وأزمة النيل الأزرق" للكاتب خالد محمد علي - جريدة الأسبوع - عدد الأول من أغسطس 2022م، ص 7) .
قادت قوى الحرية والتغيير (المجلس المركزي) بمشاركة لجان المقاومة عمليات تظاهر في الشارع السوداني تطالب بإبعاد العسكر عن المشاركة في الحكم، وإقامة دولة علمانية تحت رعاية المفوضية الأوروبية وأمريكا، في فترة بات يعاني السودان فيها من فوضى أوقفت عمليات الإنتاج والعمل، والتجارة والاستثمار والسياحة، وزاد فيها رفض تواجد العسكر في الحكم؛ مما حدا بالبرهان ونائبه حميدتي في يوليو 2022 إلى إعلان الانسحاب من عملية الحوار التي تشرف عليها أطراف دولية ترى أيضًا ترك الساحة للقوى السياسية بعيدًا عن ادعاءات هيمنة العسكر أو أطماعهم في السلطة، كمحاولة إنقاذ يتم فيها اتفاق القوى المدنية فيما بينها لتشكيل حكومة مدنية لإدارة البلاد، مع اكتفاء الجيش بمهمته الأساسية، وهي: الحفاظ على البلاد.
