الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (116) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (20)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (الأنعام: 74-83) .
قوله -تعالى-: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ) فيه فوائد :
الفائدة الثالثة:
قوله -عليه الصلاة والسلام-: ( وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا )، فيه دليل على حرمة الخوف من غير الله، فإن كان ما يُخَوَّف به العبدُ من الطواغيت والآلهة التي يعبدها المشركون، وهي في ظاهر حسِّ الإنسان وعقلِه مع أدلة الشرع لا تملك شيئًا، ولا تصنع شيئًا، فمَن يخافها يخافها بخوف سري وطاعة باطنة، ويتقرَّب بالخوف منها إليها؛ فهو خوف شركي ينافي أصل الإيمان.
قال -تعالى-: ( فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (آل عمران: 175) ، فدل على من خاف هذه الآلهة لم يكن مؤمناً وقال -تعالى-: ( أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ) (الزمر: 36) ، فلا أضل مِن خوف عبدٍ مِن طواغيت وآلهة وأصنام، لا تملك له شيئًا؛ قد أضله الله -عز وجل- فاعتقد خوفهم!
وهذا يدخل فيه: الخوف من القبر وصاحبه؛ أن يصيبه بأذى أو ضر، إذا لم يذهب لزيارته وتعظيمه، والطواف حوله، والذل بين يديه، ودعائه، وطلب قضاء الحاجة منه!
وللأسف: هذا ينتشر بين كثيرٍ مِن عُبَّاد القبور المنتسِبين للإسلام؛ بجهلهم، واتباعهم لأحبارهم ورهبانهم وعلماء السوء الذين صوَّروا لهم أن هؤلاء المقبورين هم الذين يدبِّرون الكون، ويملكون الضر والنفع، والشفاء والمرض، والفقر والغنى، والهزيمة والنصر، والإهلاك والحفظ، وكل ذلك مِن شرك الربوبية الذي أدَّى إلى شرك الألوهية بحصول الخوف من دون الله، دون أسبابٍ ظاهرهٍ، وعادة غالبة، وهم يخوِّفون مَن يخالفهم بأن أصحاب القبور سوف يؤذونهم؛ لأنهم ينهون عن سؤالهم وعبادتهم، وكذلك مَن يخوِّفون الناس من الجن، ويدفعونهم إلى طاعتهم المزعومة بالتقرُّب إليهم بالذبح والنذر، والتذلل والتضرع، وتسميتهم أسيادًا، ودعائهم، وطلب دفع الضر ورفعه عنهم، ومقاتلة أعدائهم من الجن أو غيرهم!
وقد يستجيبون لهم في مطالب كفرية، يطلبها أولياء الشيطان وعُبَّاد الطواغيت من السحرة والكهنة، كأن يكتبوا القرآن بالنجاسة: كالبول والمني؛ مما يسمونه: السحر السفلي، وكالسجود للجن، وكرفع الصليب على رأسه وصدره؛ ليحققوا له ما يريد مِن الأمن وقضاء الحاجات!
ووالله، إن هذا الذي يفعله السحرة والكهنة والدجالون، وما يفعله الناس عندهم؛ لهو من جنس ما يفعله عباد الأوثان الذين حكى الله لنا حالهم بقوله: ( وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا ) (الجن: 6) ، وقد كان أحدهم إذا نزل منزلًا يقول: "أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه"؛ فإن لم يفعل أخذوا متاعه، وربما ألقوه هو شخصيًّا بعيدًا، فزادهم ذلك التعظيم من الإنس إرعابًا للإنس وتلاعبًا بهم، وإرهاقًا لهم، بل والله إن ما يحدث عند السحرة والدجالين في زماننا؛ لهو شر من ذلك؛ فإنهم يطلبون منهم ما هو عبادة صريحة، ويطلبون منهم ما هو كفر صريح -والعياذ بالله-، وقد أبدلنا الله -عز وجل- الذِّكر الحسن العظيم من هذه التُّرهات، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا، ثُمَّ قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ حَتَّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ ) (رواه مسلم) .
وهذا لأن اللجوء والاستعاذة إنما تكون إلى الله -عز وجل- وبالله، وبأسمائه وصفاته، وكلماته التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وكثيرٌ من الناس -للأسف- يعلِّم أولاده الخوف من العفاريت وأنواع الجان، فينشأ الأولاد على هذا الخوف الوهمي الخطير الذي إذا اقترن بالطاعة الباطنة والتعظيم الباطن والتقرُّب إليهم، كان شركًا أكبر -والعياذ بالله- إذا فعلوه بعد البلوغ.
