الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (117) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (21)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وَجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ وَمُتَابِعُوهُ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلًا مُفْرَغًا عَنْ مُسْتَثْنًى مِنْهُ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْكَلَامُ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَوْقَاتٍ، أَيْ: لَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ أَبَدًا، لِأَنَّ الْفِعْلَ الْمُضَارِعَ الْمَنْفِيَّ يَتَعَلَّقُ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى وَجْهِ عُمُومِ الْأَزْمِنَةِ لِأَنَّهُ كَالنَّكِرَةِ الْمَنْفِيَّةِ، أَيْ: إِلَّا وَقْتَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أَخَافُهُ مِنْ شُرَكَائِكُمْ، أَيْ: بِأَنْ يُسَلِّطَ رَبِّي بَعْضَهَا عَلَيَّ فَذَلِكَ مِنْ قُدْرَةِ رَبِّي بِوَاسِطَتِهَا لَا مِنْ قُدْرَتِهَا عَلَيَّ. وَجَوَّزَ أَبُو الْبَقَاءِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ أَحْوَالًا عَامَّةً، أَيْ: إِلَّا حَالَ مَشِيئَةِ رَبِّي شَيْئًا أَخَافُهُ مِنْهَا".
وهذا المعنى المحتمل هو مثل ظاهر قوله -تعالى- عن شعيب -عليه الصلاة والسلام-: ( قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ) (الأعراف: 89 ) .
قال ابن جرير -رحمه الله-: "يقول جلَّ ثناؤه: قال شعيب لقومه إذ دعوه إلى العود إلى ملتهم والدخول فيها، وتوعَّدوه بطرده ومَنْ تبعه مِن قريتهم إن لم يفعل ذلك هو وهم: ( قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا )، يقول: قد اختلقنا على الله كذبًا، وتخرَّصنا عليه من القول باطلًا إن نحن عدنا في ملتكم، فرجعنا فيها بعد إذ أنقذنا الله منها، بأن بصَّرنا خطأها وصوابَ الهدى الذي نحن عليه، وما يكون لنا أن نرجع فيها فندين بها ونترك الحق الذي نحن عليه ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا ) إلا أن يكون سبق لنا في علم الله أنّا نعود فيها، فيمضي فينا حينئذٍ قضاء الله، فينفذ مشيئته علينا.
( وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا )، يقول: فإن علم ربنا وسع كل شيء فأحاط به، فلا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن؛ فإن يكن سبق لنا في علمه أنَّا نعود في ملتكم، ولا يخفى عليه شيء كان، ولا شيء هو كائن؛ فلا بد مِن أن يكون ما قد سبق في علمه، وإلا فنحن غير عائدين في ملتكم.
وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل. ثم ذكر بسنده عن السدي في الآية: يقول: ما ينبغي لنا أن نعود في شرككم بعد إذ نجانا الله منها، ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا )، فالله لا يشاء الشرك، ولكن يقول: إلا أن يكون الله قد عَلِم شيئًا، فإنه وسع كل شيء علمًا" (انتهى) .
قلتُ: وقوله: إن الله لا يشاء الشرك، أي: شرعًا، مع أن لفظ المشيئة لم يرد في معنا الإرادة الشرعية، وإنما ورد في الإرادة الكونية، وقد كثر ذلك في كتاب الله -عز وجل-، وقال -عز وجل-: ( فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (الأنعام: 149) ، وقال -سبحانه-: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا ) (الأنعام: 107) .
وهذا المعنى من معاني التوكل على الله في الثبات على الدِّين، وشهود نفوذ مشيئة الله في إيمان المؤمن وكفر الكافر، وشهود العلم والمشيئة من الله ربنا -سبحانه وتعالى- في تدبير أعمال قلوب عباده وعقائدهم، وتقليب قلوبهم، واجب من واجبات الإيمان، فنحن لا نثق في أنفسنا في الثبات على الدين إلا بالله -عز وجل-، ( وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) (الأعراف: 43) ، وكما قال الصحابة والنبي -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاللَّهِ لَوْلَا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا، وَلَا صُمْنَا وَلَا صَلَّيْنَا ) (متفق عليه) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا؛ فَإِنَّهُ لَا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ ) قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ ) (متفق عليه) ، وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يكثر أن يقول: ( يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) ، وكان أكثر قَسَمِه -صلى الله عليه وسلم-: "لا ومقلب القلوب"، وكان يقول: ( اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ ) (رواه مسلم) .
وقد قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) (الأنفال: 24) ، فالعبد يأخذ بالأسباب من العمل الصالح بالاستجابة لأمر الله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، في الطاعات واجتناب المعاصي، ولكنه لا يتوكل على عمله، بل على ربِّه الذي وَسِع كل شيء عِلْمًا؛ فهو وحده الذي يحول بيننا وبين الكفر والفسوق والعصيان، وكم مِن أناسٍ عَمِلوا بالطاعة ثم انقلبوا، قال الله -تعالى-: ( أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) (البقرة: 266 ) .
