شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الكبائر (15) الرياء (موعظة الأسبوع)

الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

المقدمة:

- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .

- الرياء من كبائر الأعمال، والمنكرات الجسام، وقبيح الخصال، وقد ورد فى حقه شديد العقاب والوبال: عن محمود بن لبيد -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّ ‌أَخْوَفَ ‌مَا ‌أَخَافُ ‌عَلَيْكُمُ ‌الشِّرْكُ ‌الْأَصْغَرُ ) قَالُوا: وَمَا الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ( الرِّيَاءُ، يَقُولُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمْ: اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً؟ )، وفي لفظ: ( أَيُّهَا النَّاسُ، إِيَّاكُمْ ‌وَشِرْكَ ‌السَّرَائِرِ ) قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ وَمَا شِرْكُ السَّرَائِرِ؟ قَالَ: ( يَقُومُ الرَّجُلُ فَيُصَلِّي، فَيُزَيِّنُ صَلَاتَهُ جَاهِدًا لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ النَّاسِ إِلَيْهِ؛ فَذَلِكَ شِرْكُ السَّرَائِرِ ) (رواه ابن جزيمة، وحسنه الألباني) .

- والرِّياء هو: إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها؛ ليحمدوا صاحبها ويثنوا عليه: قال القرطبي -رحمه الله-: "وحقيقة الرِّياء طلب ما في الدنيا بالعبادة، وأصله: طلب المنزلة في قلوب الناس".

(1) أثر الرياء على العبد في الدنيا والآخرة:

- الرياء من الكبائر التي ورد فيها الوعيد الشديد لصاحبها: قال الله -سبحانه-: ( فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ . الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ . وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (الماعون: 4 - 7) .

- الرياء جهل بقدر وقدرة الجليل العظيم حيث يطلب المرائي على عمله نظر المخلوقين: قال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌قَدَرُوا ‌اللَّهَ ‌حَقَّ ‌قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ) (الزمر: 67) . قال قتادة: "إذا راءى العبد، قال الله: انظروا إلى عبدي كيف يستهزئ بي؟!" (الكبائر للذهبي) .

- المرائي معذَّب القلب والبال، بانتظاره ثناء المخلوقين: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( «‌مَنْ ‌سَمَّعَ ‌سَمَّعَ ‌اللَّهُ ‌بِهِ ‌وَمَنْ ‌يُرَائِي ‌يُرَائِي ‌اللَّهُ ‌بِهِ ) (متفق عليه) .

قال الخطابي -رحمه الله-: "معناه: مَن عمل عملًا على غير إخلاص، وإنما يريد أن يراه النّاس ويَسْمَعُوه، جُوزيَ على ذلك بأن يُشهّرَه الله ويَفضَحَه ويُظهِرَ ما كان يُبْطِنه".

- المرائي عمله باطل بلا أجر ولا ثواب (1) : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) (البقرة: 264) ، عن أبي هُريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: ‌أَنَا ‌أَغْنَى ‌الشُّرَكَاءِ ‌عَنِ ‌الشِّرْكِ، ‌مَنْ ‌عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ ) (رواه مسلم) .

وخرَّج النسائي بإسنادٍ جيدٍ عن أبي أُمَامة الباهلي قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ وَالذِّكْرَ مَا لَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا شَيْءَ لَهُ ) فَأَعَادَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا شَيْءَ لَهُ )، ثُمَّ قَالَ: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني) .

- لذا كان الرياء من أعظم وسائل الشيطان لإفساد أعمال كثير من العباد، وإهلاكهم يوم القيامة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( ‌إِنَّ ‌أَوَّلَ ‌النَّاسِ ‌يُقْضَى ‌يَوْمَ ‌الْقِيَامَةِ ‌عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لِأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ، وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلَّا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ ) (رواه مسلم) .

إنكار السلف على مَن ظهرت منهم علامات الرياء:

الصفحة التالية