الكبائر (15) الرياء (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
- قال الذهبي -رحمه الله-: "وروي أن عمر بن الخطاب نظر إلى رجل وهو يطاطئ رقبته، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع فى الرقاب، إنما الخشوع فى القلوب. وقيل: إن أبا أمامة الباهلي أتى على رجل في المسجد وهو ساجد يبكي في سجوده ويدعو، فقال له: أنت، أنت! لو كان هذا فى بيتك؟! وقال محمد بن المبارك الصوري: أظهر السمت بالليل؛ فإنه أشرف من إظهاره بالنهار؛ لأن السمت بالنهار للمخلوقين، والسمت بالليل لرب العالمين" (الكبائر) .
- بل قد حدَّدوا للمرائي علامات وتصرفات: قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: "للمرائي ثلاث علامات: يكسل إذا كان وحده، وينشط إذا كان فى الناس، ويزيد في العمل إذا أُثنِي عليه، وينقص إذا ذُم به".
(2) الإخلاص دواء الرياء:
- أوجب الله الإخلاص شرطًا لقبول الأعمال الصالحة: قال الله -تعالى-: ( فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) (الكهف: 110) . قال الطبَري -رحمه الله-: ( فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ) يقول: فلْيُخلص له العبادة، وليُفرد له الربوبية، ( وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ) يقول: ولا يجعل له شريكًا في عبادته إياه؛ وإنما يكون جاعلًا له شريكًا بعبادته إذا راءى بعمَله الذي ظاهره أنه لله، وهو مُريدٌ به غيرَه".
- عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى إِخْفَاءِ الْعَمَلِ، وَمُدَافَعَةِ الرياء، و طلب الأجر من الله وحده: قال الله -تعالى-: ( قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين ) (الأنعام: 162) . وقال العز بن عبد السلام: "الإخلاص أن يفعل المكلف الطاعة خالصة لله وحده، لا يريد بها تعظيمًا من الناس، ولا توقيرًا، ولا جلب نفع ديني، ولا دفع ضرر دنيوي". وقال يعقوب المكفوف: "المخلص: مَن يكتم حسناتِه كما يكتم سيئاتِه". وسُئل التستري: "أي شيء أشد على النفس؟! قال: الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب". وقال سفيان الثوري: "ما عالجتُ شيئًا أشد عليَّ من نيتي؛ إنها تتقلبُ عليّ".
- جزاء الإخلاص الخلاص من الكربات في الدنيا والآخرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ تَعَالَى فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ اللهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ) (متفق عليه) .
(3) خاتمة: تساؤلات مهمة:
هل الفرح بثناء الناس من الرياء؟
الجواب: إن كان ذلك من غير سعي وتكلف؛ فليس من الرياء، بل هو من الخير. فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قِيلَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَعْمَلُ الْعَمَلَ مِنَ الْخَيْرِ وَيَحْمَدُهُ النَّاسُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: ( تِلْكَ عَاجِلُ بُشْرَى الْمُؤْمِنِ ) (رواه مسلم) . وسأل رجلٌ سعيدَ بن المسيّب -رحمه الله- فقال: "إنَّ أحدَنا يصطنع المعروفَ يُحِب أن يُحمَد ويؤجَر، فقال له: أتحبُّ أن تُمقت؟ قال: لا، قال: فإذا عملتَ لله عملاً فأخْلِصْه".
هل هناك ما نتعوذ به من الرياء بعد التوبة والإخلاص؟
الجواب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( الشِّرْكُ فِيكُمْ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ، وَسَأَدُلُّكَ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتَهُ أَذْهَبَ اللَّهُ عَنْكَ صِغَارَ الشِّرْكِ وَكِبَارَهُ؛ تَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أُشْرِكَ بِكَ وَأَنَا أَعْلَمُ، وَأَسْتَغْفِرُكَ لِمَا لَا أَعْلَمُ ) (أخرجه الحكيم الترمذي، وحسنه الألباني) .
فاللهم طهِّر قلوبنا من الرياء وحب السُّمعة، واجعل أعمالنا وأقوالنا ونياتنا خالصة لوجهك الكريم.
وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نببنا محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) فائدة:
الرياء والعمل لغير الله أقسام:
1- فتارة يكون الرياء محضًا، بحيث لا يراد به سوى مراءاة المخلوقين لغرض دنيوي، كحال المنافقين في صلاتهم، كما قال الله -عز وجل-: ( وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا ) (النساء:142)، وهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام، وقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج، وغيرهما من الأعمال الظاهرة أو التي يتعدى نفعها، فإن الإخلاص فيها عزيز، وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة.
2- وتارة يكون العمل لله، ولكن يشاركه الرياء: فإن شاركه في أصله، فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا كما في الأحاديث السابقة، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ )، وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ ).
3- وأما إن كان أصل العمل لله، ثم طرأت عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطرًا فدفعه، فلا يضره بغير خلاف، وإن استرسل معه، فمحل تفصيل بين العلماء: هل يحبط به عمله أم لا يضره ذلك، ويُجازَى على أصل نيته؟
