كفاك فخرًا أن نبيك هو محمد -صلى الله عليه وسلم-
سعيد السواح • المنهج السلفي
﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (المائدة:118) ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، وَقَالَ: ( اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي )، وَبَكَى فَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ( يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ -وَرَبُّكَ أَعْلَمُ-، فَسَلْهُ: مَا يُبْكِيكَ؟ )، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ -عَلَيْهِ السَّلَام-، فَسَأَلَهُ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِمَا قَالَ -وَهُوَ أَعْلَمُ- فَقَالَ اللَّهُ: ( يَا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إِلَى مُحَمَّدٍ؛ فَقُلْ: إِنَّا سَنُرْضِيكَ فِي أُمَّتِكَ وَلا نَسُوءُكَ ) (رواه مسلم).
فالله أكبر، أيها الحبيب من كمال شفقة النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته واعتنائه بمصالحهم واهتمامه بأمرهم، وهذا بيان لعظم منزلة النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الله العظيم.
بل انظر -أيها الحبيب- إلى نبينا وحبيبنا كيف خبأ دعوته ليوم القيامة، وكل نبي طلبها في الدنيا، فهذا جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- يقول عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ، فَأُرِيدُ، إِنْ شَاءَ اللهُ، أَنْ أَخْتَبِيَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) (متفق عليه) .
ومن كمال شفقته -صلى الله عليه وسلم- على أمته: دوام نصحه لهم؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ( إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ؛ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي تَقَعُ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا، فَجَعَلَ يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبُنَهُ، فَيَقْتَحِمنَ فِيهَا، فَأَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنِ النَّارِ وَهُمْ يَقْتَحِمُونَ فِيهَا ) (متفق عليه) .
ألا يستحق هذا النبي أن يتبع ولا يترك؟! ألا يستحق هذا النبي أن نتمثل بسنته، وأن نمارس كل نواحي حياتنا على أساس من اتباعه -صلى الله عليه وسلم-، وهو الذي هداه الله -تعالى- وارتقى أعلى مراتب العبودية؟! ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) (الأنعام:161-163) .
هذا النبي -أيها الحبيب- الذي هو فرطنا على الحوض، وآخذ لنا طريق النجاة، يمد لنا -صلى الله عليه وسلم- يديه بالماء من حوضه؛ لنشرب شربة لا نظمأ بعدها أبدًا، فلقد قال -صلى الله عليه وسلم-: ( أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، مَنْ وَرَدَ؛ شَرِبَ، وَمَنْ شَرِبَ؛ لَمْ يَظْمَأْ أَبَدًا... ) (متفق عليه) .
انظر -أيها الحبيب- وافخر بشجاعة نبيك -صلى الله عليه وسلم-، فهذا أنس بن مالك -رضي الله عنه- يصف لنا من شجاعة نبينا الحبيب -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: "كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَشْجَعَ النَّاسِ، وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَانْطَلَقَ نَاسٌ قِبَلَ الصَّوْتِ، فَتَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَاجِعًا وَقَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى الصَّوْتِ، وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لِأَبِي طَلْحَةَ عُرْيٍ فِي عُنُقِهِ السَّيْفُ، وَهُوَ يَقُولُ: ( لَمْ تُرَاعُوا لَمْ تُرَاعُوا )، قَالَ: ( وَجَدْنَاهُ بَحْرًا -أَوْ: إِنَّهُ لَبَحْرٌ- قَالَ: وَكَانَ فَرَسًا يُبَطَّأُ ) (متفق عليه) .
انظر -أيها الحبيب- وافخر بجود نبيك -صلى الله عليه وسلم-، ولقد قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: " كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ " (متفق عليه) .
وانظر -أيها الحبيب- وافخر بسخاء حبيبنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، فلقد قال جابر بن عبد الله -رضي الله عنه-: ( مَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَيْئًا قَطُّ؛ فَقَالَ: لاَ ) (متفق عليه).
وانظر -أيها الحبيب- وافخر بطيب ريح النبي -صلى الله عليه وسلم- ولين مسه ، فلقد قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: "وَلاَ مَسِسْتُ دِيبَاجَةً وَلا حَرِيرَةً أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلاَ شَمِمْتُ مِسْكَةً، وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" (متفق عليه) .
فلتفخر أيها المسلم الحبيب ولا أدري بأيها أفخر: أبشفقته ورحمته -صلى الله عليه وسلم-، أم بشجاعته -صلى الله عليه وسلم-؟! أم بجوده وسخائه -صلى الله عليه وسلم-؟! أم بطيب ريحه -صلى الله عليه وسلم-؟! أم بغير ذلك من الخلال التي جمعت لنبينا وحبيبنا -صلى الله عليه وسلم-؟! وفوق كل ذلك لك أن تفخر بحسن خلق نبيك -صلى الله عليه وسلم-، ولقد قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَحْسَنَ النَّاسِ خُلُقًا ) (رواه مسلم) ، وهذا مصداقًا لقول ربنا -تبارك وتعالى-: ( وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) (القلم:4) .
أيها المسلم الحبيب، ما بالك لو جلست في مجلس جمع فيه من أصحاب الديانات السابقة، فما حالك مع هؤلاء وأنت نبيك -محمد صلى الله عليه وسلم-، وأنت تنتسب إلى هذه الأمة المحمدية التي قائدها وإمامها خير من وطأت أقدامه الأرض؟!، فحري بك أن تفخر.
ولكن قل لي بربك؟
لو كان مجلسًا جمع فيه من الأنبياء، فما حال نبيك -صلى الله عليه وسلم- بك؟
أيفخر بك أمام الأنبياء، ويقول: هذا من أمتي؟
