صور من غدر اليهود وهم في المدينة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد نزح بعض اليهود قديمًا إلى بلاد العرب، واستقروا في يثرب التي عُرِفت باسم: "المدينة" بعد هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- إليها.
وقد استوطنت ثلاث قبائل يهودية يثرب قبل دخول الإسلام فيها، هم: بنو النضير، وبنو قريظة، وكانت ديارهم في جنوب شرق يثرب، وهؤلاء تحالفوا مع قبيلة الأوس العربية، بينما سكنت قبيلة بنو قينقاع داخل يثرب، وقد تحالفوا مع قبيلة الخزرج العربية.
ورغم أن هؤلاء اليهود قد صبغوا أنفسهم مع الوقت بالصبغة العربية في الزي واللغة والحياة القبلية؛ إلا أنهم لم يندمجوا في العرب تعصبًا لبني جنسهم؛ بل كانوا يتعالون على قبيلتي: الأوس والخزرج؛ لأنهم كانوا قبل الإسلام وثنيين يعبدون الأصنام، وكانوا يطلقون عليهم كما يطلقون على كلِّ مَن ليس على ملتهم: "الأميين"، كما قال -تعالى- فيهم: ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ( آل عمران: 75) ، أي: ليس علينا فيمن ليسوا على ملتنا عتاب أو عقاب إذا ظلمناهم (التفسير الوسيط) .
وكانت الديانة اليهودية قد حُرِّفت، ووقع في التوراة التغيير والتبديل، كما اشتهر عن اليهود تعاملهم بالربا، كما عمدوا إلى الدس والوقيعة بين قبيلتي: الأوس والخزرج، وإشعال الحروب الداخلية بينهما من آنٍ لآخر، مع مشاركتهم في حروبهم تلك نصرة لهم؛ لكونهم حلفاء معهم؛ لذا لم ينتفع العرب دينيًّا من هؤلاء اليهود في شيء.
اليهود في القرآن المكي:
أطلع القرآن الكريم المسلمين وهم ما زالوا في مكة، ومن خلال السور المكية العديدة على خصال كثيرة سيئة لهؤلاء اليهود؛ تنديدًا بهم، وذلك قبل هجرة المسلمين إلى يثرب، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أن الأمة ستحتاج إلى معرفة خبايا هؤلاء اليهود وانحرافاتهم على حقيقتها، وكان اليهود قد أشاعوا بين العرب وقتها أنهم أهل دين وأنهم أتباع الأنبياء، وأنهم في انتظار نبي يبعث فيهم يقاتلون معه مَن خالفهم ويكون لهم معه الغلبة والملك.
ومن تلك الآيات المكية في اليهود:
- ما جاء في سورة النمل المكية في قوله -تعالى-: ( إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ . وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) ( النمل: 76- 77) ، وقوله -تعالى- في سورة الأنعام المكية: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ ) (الأنعام: 146) ، وقوله -تعالى- في سورة النحل المكية: ( وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (النحل: 118) .
وقال -تعالى- في سورة الإسراء المكية: ( وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) (الإسراء: 4 – 8) . وهذه الآيات تكشف بوضوح مساوئ اليهود التاريخية، وإفسادهم في الأرض.
وقال -تعالى- في سورة الأعراف المكية: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) (الأعراف: 148) ، وقال -تعالى- في بيان عنادهم: ( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأعراف: 171) ، ومع هذا الموقف الرهيب عادوا إلى العصيان كما أخبر الله عنهم في سورة البقرة المدنية: ( وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ) (البقرة: 93) ، وقال -تعالى- عنهم في سورة الأعراف أيضًا: ( وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ ) (الأعراف: 138) ؛ هذا بعد أن رأوا بأعينهم إغراق الله -تعالى- لفرعون وقومه، ونجاتهم من بطشه، وقد أنكر عليهم موسى -عليه السلام- هذا الطلب إنكارًا شديدًا؛ قال -تعالى-: ( قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) (الأعراف: 138-140) .
