صور من غدر اليهود وهم في المدينة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
ثم كان اتخاذهم العجل لما ذهب موسى لميقات ربه، كما قال -تعالى- في سورة الأعراف المكية: ( وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ) (الأعراف: 148) ؛ هذا رغم اعتراض نبيهم هارون -عليه السلام- وإنكاره عليهم، ولكنهم خالفوه، قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي . قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى ) (طه:90-91) ، وكما قال هارون لموسى -عليهما السلام-: ( قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (الأعراف: 150) .
وعن عنادهم وتبدليهم حكى القرآن المكي عنهم: ( وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ . فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ ) (الأعراف: 161-162) ؛ ولهذا وغيره أخبر -تعالى- في القرآن المكي أنه عاقبهم بأن يبعث عليهم مَن يسومهم سوء العذاب جيلًا بعد جيلٍ، وأنه كتب عليهم الشتات في الأرض؛ قال -تعالى-: ( وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) (الأعراف: 167) ، وقال -تعالى- فيهم: ( وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) (الأعراف: 168) ، ولكنهم في الشتات ازدادوا ضلالًا، واتخذوا أحبارهم أربابًا من دون الله، وابتدعوا في الدِّين زاعمين أنهم شعب الله المختار الذي سيُغفر له كل خطيئة؛ حيث يمتلئ بذلك كتابهم التلمود -الذي كتبه لهم أحبارهم ويقدِّسونه- بالكثير من المزاعم الباطلة؛ قال -تعالى-: ( فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) (الأعراف: 169) .
ولا شك أن كلَّ هذه الآيات المكية ونحوها تعد معجزات من معجزات القرآن الكريم؛ وإلا فكيف جاء النبي -صلى الله عليه وسلم- بكلِّ هذا عن اليهود، وهو ليس من علمائهم أو أحبارهم، ولم يدرس كتبهم باستفاضة من قبل.
وثيقة المدينة:
وعندما هاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه -رضي الله عنهم- إلى المدينة، ورغم الاختلاف الديني بينهم وبين اليهود، عقد النبي -صلى الله عليه وسلم- مع يهود المدينة معاهدة تضمنت:
- الدفاع المشترك عن المدينة: فجاء في صحيفة المعاهدة أن بينهم -أي: المسلمون واليهود- النصر على مَن دهم يثرب، وأن بينهم النصر على مَن حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم.
- عدم الاعتداء وحسن الجوار: فجاء في الصحيفة أن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وأن الجار كالنفس؛ غير مضار ولا آثم، وأنه لا تجار حرة إلا بإذن أهلها، وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وألا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم، وأنه مَن خرج آمِن، ومَن قعد آمِن بالمدينة؛ إلا مَن ظلم أو أثم.
- حرية العقيدة: فجاء في الصحيفة أن لليهود دينهم وللمسلمين دينهم.
وهذه المعاهدة عُرِفت تاريخيًّا باسم: (وثيقة المدينة)، وقد حرص المسلمون على تنفيذها وعدم مخالفتها، بينما غلبت عادة اليهود في نكث العهود عليهم؛ فراحوا مع الوقت يثيرون القلاقل والمتاعب من حينٍ لآخر، ويكيدون للمسلمين للإطاحة بهم.
جحود اليهود:
ورغم ما عند اليهود في التوراة من صفات النبي -صلى الله عليه وسلم-، ورغم أنهم رأوها فيه؛ فقد أبى زعمائهم المطاعون فيهم إلا عداوته وعدم الإيمان به!
ومما ورد في ذلك: ما رواه ابن إسحاق في السيرة عن أم المؤمنين صفية -رضي الله عنها-، وهي بنت حيي بن أخطب -من زعماء اليهود- أنها قالت: "كنتُ أحب ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر -والولد في اللغة تطلق على الذكور والإناث كما قال -تعالى-: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) (النساء: 11) - ولم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه، فلما قَدِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة ونزل قباء غَدَا عليه أبي وعمي مغلسين -أي: مبكرين في وقت الغلس-، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، فأتيا كالين -أي: متعبين- كسلانين ساقطين يمشيان الهوينى، فهششتُ إليهما كما كنت أصنع، فوالله ما التفت إلي واحد منهما مع ما بهما من الغم.
وسمعت عمي أبا ياسر وهو يقول لأبي حيي بن أخطب: أهو هو؟ -أي: أهو النبي الذي ورد ذكره في التوراة؟- قال: نعم والله. قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم. قال: فما في نفسك منه، قال: عداوته والله ما بقيت!".
وكذلك كان باقي رؤساء أحبارهم، وذلك أنهم رأوه نبيًّا ليس من جنسهم، وهم يريدون نبيًّا منهم يقيم لهم مملكتهم من جديد، فلم يُسْلِم من اليهود إلا قليل، منهم: عبد الله بن سلام، وميمون بن يامين -رضي الله عنهما-.
إجلاء بني قينقاع:
