صور من غدر اليهود وهم في المدينة في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
بعد انتصار المسلمين في غزوة بدر الكبرى على قريش وعلو شأن المسلمين، ملأ الغيظ قلوب يهود بني قينقاع في المدينة، فجهروا بالعداء للمسلمين والتطاول عليهم، حتى قال قائلهم: "يا محمد، لا يغرك مِن نفسك أنك قتلتَ نفرًا في قريش كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال؛ إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلقَ مثلنا"، وورد في كتب السيرة: "أن يهوديًّا منهم، تحرش بامرأة مسلمة قصدت سوق بني قينقاع حيث قام بعقد طرف ثوبها إلى ظهرها وهي غافلة، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا، فصاحت، فقام رجل من المسلمين فقتل ذلك اليهودي المعتدي، فتواثب باقي اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل هذا المسلم المسلمين، فوقع الشر بين المسلمين وبين بني قينقاع، فخرج إليهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بجيشه وحاصرهم في حصونهم، وذلك في شوال من السنة الثانية للهجرة، لمدة خمس عشرة ليلة حتى اشتد عليهم الحصار وقبلوا بالجلاء عن المدينة جزاء نقضهم للعهد".
إجلاء بني النضير:
أما بنو النضير، فقد أغاظ انتصار المسلمين في غزوة بدر زعيمهم كعب بن الأشرف، وكان شاعرًا له حصن يقيم فيه، فقام بهجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين، وقام بزيارة مكة يبكي قتلاها ببدر، ويحرض أهلها على الأخذ بالثأر، فلما عاد إلى المدينة أخذ في التشبب بنساء المسلمين -أي: يتغزل فيهن ويعرض حبه عليهن-، فندب النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى قتله، فاحتال عليه بعض الصحابة بخدعة حتى قتله جزاء غدره وهجائه، وذلك في ربيع الأول من السنة الثالثة من الهجرة، ولم يؤاخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- بني النضير بجريرة كعب، واكتفى بقتله وجدَّد عهده معهم، ولكنهم في ربيع الأول من السنة الرابعة للهجرة حاولوا اغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو إلى جنب جدار مِن بيوتهم قاعد مع بعض أصحابه حيث أمروا واحدًا منهم أن يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه رحى فتقتله؛ فأخبر جبريل عليه السلام النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك فغادر المكان ونجَّاه الله -تعالى- منهم.
ثم خرج لقتالهم، فلجأوا إلى حصونهم ليتحصنوا بها، ويرمون المسلمين بالنبل والحجارة منها، واستمر حصارهم ست ليال حتى اندحروا، وقبلوا الجلاء عن المدينة، على أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، وتوجه معظمهم إلى الشام، وذهب زعماؤهم إلى خيبر فنزلوا فيها، وأنزل الله -تعالى- في هذه الغزوة سورة الحشر بأكملها.
دور اليهود في غزوة الأحزاب:
ولما أقام بعض زعماء بني النضير بعد جلائهم عن المدينة إلى حصون خيبر التي تبعد ثماني برد عن المدينة من جهة الشام، وقد اشتعل الحقد في نفوسهم بدأوا في الاتصال بقريش؛ لحثها والقبائل الأخرى على غزو المدينة، واستطاعت قريش أن تجمع عشرة آلاف مقاتل من قريش والأحزاب لغزو المدينة، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة.
ولما علم المسلمون بذلك؛ حفروا خندقًا في شمال المدينة، وهي الجهة الوحيدة المكشوفة أمام الغزاة، أما باقي الجهات فكانت محصنة إذ تتشابك فيها الأبنية مع أشجار النخيل الكثيرة وتحيطها الحرات ذات الأرض السبخة التي يصعب على الإبل والمشاة دخول المدينة منها.
ولما عجزت قريش والأحزاب عن اقتحام الخندق، حاصروا المدينة واشتد حصارهم لها، وزاد الخطب على المسلمين لما بلغهم أن يهود بني قريظة الذين يسكنون الجنوب الشرقي من المدينة قد أغرتهم قوة الأحزاب وعددهم، فنكثوا عهدهم مع المسلمين، وتواطؤا مع هؤلاء الأحزاب بتحريض حيي بن أخطب أحد زعماء بني النضير، وبذلك تعرَّض المسلمون للتهديد باقتحام المدينة وإمكانية توجيه ضربة لهم من الخلف بمعاونة هؤلاء اليهود ومن جهتهم، وبالتالي يتعرض المسلمين لخطر الاستئصال؛ إلا أن الله -تعالى- نصر المسلمين بريح عاصفة شديدة هبَّت على جموع الأحزاب؛ فاقتلعت خيامهم، وكفأت قدورهم، وأطفأت نيرانهم، وأجبرتهم على الرحيل؛ فتشتت شملهم، وانفك الحصار، فتنفس المسلمون الصعداء، قال -تعالى-: ( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا ) (الأحزاب: 9) ، وقال -تعالى-: ( وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ) (الأحزاب: 25) .
قتال بني قريظة:
وسرعان ما توجَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه بعد هزيمة الأحزاب لقتال بني قريظة الذين غدروا بهم، فحاصرهم حصارًا شديدًا حتى استسلموا، وقبلوا النزول على حكم سعد بن معاذ فيهم؛ لأنه كان حليفًا لهم قبل الإسلام، فحكم فيهم بقتل مقاتليهم وسبي نسائهم وذراريهم، وتقسيم أموالهم؛ فكان جزاؤهم مِن جنس عملهم حين عَرَّضوا أرواحَ المسلمين بخيانتهم للقتل، ونساءهم وذراريهم للسبي.
محاولة اغتيال النبي -صلى الله عليه وسلم- بالسم:
بعد أن فتح المسلمون سنة سبع للهجرة حصون يهود خيبر، أهدت زينب بنت الحارث اليهودية امرأة سلام بن مشكم اليهودي لصفية بنت حيي زوجة النبي -صلى الله عليه وسلم- شاة مصلية قد سمتها لقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- بها، وأكثرت من السم في كتف الشاة؛ لأنها علمت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يحب الكتف، فلما تناول النبي -صلى الله عليه وسلم- الكتف وانتهش منها ومعه بعض أصحابه امتنع عن أكلها، وأخبر من معه أن كتف هذه الشاة أخبرته بأنها مسمومة، ثم دعا بالمرأة فاعترفت، وقد مات بعدها بسبب الأكل من هذه الشاة بشر بن البراء بن معرور -رضي الله عنه-، وقد اختلفت الروايات حول مصير هذه المرأة اليهودية؛ فقيل: عفا عنها النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقيل: إنها أسلمت. وقيل قُتِلت. ولعله -صلى الله عليه وسلم- قد تجاوز عنها أولًا، فلما مات بشر مسمومًا بسبب السم الذي دسته في الشاة، قتلها قصاصًا. قال القاضي عياض: "فصح قولهم لم يقتلها أي: في الحال، ويصح قولهم قتلها أي: بعد ذلك. والله -تعالى- أعلم".
للاستزادة راجع:
- السيرة النبوية، للحافظ ابن كثير.
- الرحيق المختوم، لصفي الرحمن المباركفوري.
