الكبائر (17) تشبُّه الرجال بالنساء والعكس (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- تشبه الرجال بالنساء والعكس من الكبائر العظام، والمنكرات الجسام، وقد جاء فيه الوعيد الشديد: فَعَنِ ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري) .
- الإشارة إلى أن التشبه بين النوعين صار ظاهرة في هذا الزمان: قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ) (سبأ: 20) .
طبيعة خلق الإنسان:
- خلق الله الإنسان في أحسن صورة، وميَّزه وكرَّمه وفضَّله على كثيرٍ من المخلوقات: قال -تعالى-: ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) (التين: 4) ، وقال: ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) (الإسراء: 70) .
- خلق الله الرجل والمرأة، وميَّز كلًّا منهما بصفاتٍ تناسب تكوينه وفطرته (الشكل - الكلام - الأفعال - اللباس - الوظائف - ...) (1) : قال -تعالى-: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) (النساء: 34) ، وقال -تعالى-: ( وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَى ) (آل عمران: 36) ، وقال -تعالى- عن طبيعة النساء: ( أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ ) (الزخرف: 18) . قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "هُنَّ النِّسَاءُ؛ فَرَّقَ بَيْنَ زِيِّهِنَّ وَزِيِّ الرِّجَالِ".
- وجعل سبحانه بين صفات النوعين حواجز؛ حتى لا يبغى أحدهما على الآخر، وكان مَن تشبَّه بالآخر مغيَّرًا لخلق الله، متبعًا لدعوة إبليس: قال -تعالى-: ( وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) (النساء: 32) ، وقال عن دعوة إبليس: ( وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ) (النساء: 119) .
- حرمة التشبه بين النوعين (2) :
- بناءً على ما سبق حَرَّم الإسلام التشبه بين النوعين؛ لما فيه مِن انتكاس الفِطَر السليمة، وتغيُّر الطباع القويمة، واعتبره من الذنوب الكبيرة: قال -تعالى-: ( فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ) (الروم: 30) ، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ" (رواه البخاري) .
وعنه -أيضًا- قال: "لَعَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ" (رواه البخاري) ، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ، وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) .
- ورتَّب الإسلام على ذلك العقوبة في الدنيا والآخرة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أُتِيَ بِمُخَنَّثٍ قَدْ خَضَبَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِالْحِنَّاءِ، فَقال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: مَا بَالُ هَذَا؟ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، يَتَشَبَّهُ بِالنِّسَاءِ. فَأَمَرَ بِهِ فَنُفِيَ إِلَى النَّقِيعِ" (رواه أبو داود، وصححه الألباني) . وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "لَعَنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- المُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقال: أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ. وَأَخْرَجَ فُلاَنًا، وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلاَنًا" (رواه البخاري) .
وقال ابن تيمية -رحمه الله-: "فَالَّذِي يُعَظِّمُ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَيَجْعَلُ لَهُمْ مِنَ الرِّيَاسَةِ وَالْأَمْرِ عَلَى الْأَمْرِ الْمُحَرَّمِ مَا يَجْعَلُ، هُوَ أَحَقُّ بِلَعْنَةِ اللهِ وَغَضَبِهِ". وقال النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( ثَلَاثٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ، وَلَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْعَاقُّ بِوَالِدَيْهِ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، الْمُتَشَبِّهَةُ بِالرِّجَالِ، وَالدَّيُّوثُ... ) (رواه أحمد والنسائي وصححه أحمد شاكر) .
أسباب الوقوع في التشبه:
1- ضَعْفُ الْإِيمَانِ، وَغِيَابُ الْوَازِعِ الدِّينِيِّ.
2- َسُوءُ التَّرْبِيَةِ من الآباء لِلْأَبْنَاءِ.
3- حُبُّ الظُّهُورِ وَالشُّهْرَةِ.
4- َسُوءُ فَهْمِ الْحُرِّيَّةِ الشَّخْصِيَّةِ.
5- َالْبُعْدُ عَنْ صُحْبَةِ أَهْلِ الشِّيَمِ وَالْمُرُوءَاتِ، وَمُخَالَطَةُ أصحاب السوء.
ما ينبغي أن يتنافس عليه:
