شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تلوث الهواء... القاتل المجهول!

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فيُعد التَّعرُّض للهواء الملوث بنوعيه: الداخلي (أي: في الأماكن المغلقة)، والخارجي (أي: في الأماكن المفتوحة) من أشد الأمور ضررًا على صحة وحياة الإنسان في كلِّ أنحاء العالم؛ إذ قدَّرت الدراسات والأبحاث العلمية: أن عدد الوفيات بسبب تلوث الهواء في عام 2019، بلغ نحو سبعة ملايين حالة وفاة على صعيد العالم، وهذا يمثِّل 12 % من إجمالي عدد الوفيات في العالم سنويًّا.

وإذا كان فيروس كوفيد - 19 قد سبَّب حالة من الفزع لكثرة ضحاياه في قارات العالم المختلفة؛ فإن ضحايا تلوث الهواء في كل القارات كانت -وما زالت- أكثر من ضحايا هذا الفيروس، بل إن نسبة ليست قليلة من ضحايا الفيروس فاقم إصاباتهم تعرُّض رئاتهم وأجسامهم للتلوث بالهواء لفترات طويلة قبل الإصابة بالفيروس.

فالناس الذين يعيشون في أماكن ملوثة الهواء هم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المزمنة الصدرية وغير الصدرية من غيرهم، ومرضى كهؤلاء كانوا هم الأكثر عرضة لخطر الإصابة بمرض كوفيد - 19.

علاوة على ذلك: فإن بمقدور تلوث الهواء أن يضعف مناعة الجسم، ويلهب المجاري التنفسية، جاعلًا الجسم أقل قدرة على التصدي لأي فيروس أو ميكروب يهاجم الجهاز التنفسي.

إن تلوث الهواء ضار على المدى البعيد على جسم الإنسان؛ حتى وإن كان يتعرض لمستويات متدنية من التلوث، والوفيات التي تحدث بسبب الإصابة بمرض كورونا تكون أسرع، أما تلوث الهواء فإنه يتراكم فتحدث الوفيات بسببه بعد فترة من الزمن وفقًا لمعدلات التلوث، فتلوث الهواء جائحة كجائحة كورونا، لكن تتوالى أحداثها رويدًا كما لو كنا نشاهد فيلمًا بالعرض البطيء، ويكون الوضع أسوأ وأسوأ مع الأطفال خاصة الصغار منهم.

ورغم أنه من المسلَّم به أن تأثير تلوث الهواء قاتل على المدى البعيد، فإن الاهتمام الذي يحظى به التلوث أقل بكثير من الاهتمام بفيروس قاتل كفيروس كورونا، مع أن تلوث الهواء يقتل سنويًّا من الناس أعدادًا أكبر بكثير.

(وتفيد منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء يتسبب في وفاة نحو سبعة ملايين وفاة على مستوى العالم، أي: أكثر من ضعفي ما يسببه استهلاك الكحول، وأكثر من خمسة أضعاف ما تسببه حوادث السير، بل إن بعض البحوث تفيد أن عدد ضحايا التلوث يفوق تقديرات هذه المنظمة. ومعظم تلك الوفيات ناتج عن تلوث الهواء الخارجي)، (وصحيح أن أغلب الوفيات يحدث في الدول النامية، ونصف ذلك في الصين والهند وحدهما، لكن تلوث الهواء يظل قاتلًا لا يستهان به في الدول المتقدمة أيضًا. ويقدر البنك الدولي التكلفة الاقتصادية لذلك على مستوى العالم بأكثر من خمسة تريليونات دولار سنويًّا، وفي الولايات المتحدة الأمريكية بعد مرور 50 عامًا على اعتماد الكونجرس (قانون الهواء النظيف) ما زال أكثر من 45 % من الأمريكيين يتنفسون هواء غير صحي وفقًا لجمعية الرئة الأمريكية.

كما أن هذا الهواء ما زال يتسبب بأكثر من 60 ألف وفاة سنويًّا، من دون حساب الآلاف المؤلفة الذين قضوا لأنه جعلهم أكثر عرضة لتداعيات كوفيد - 19، فالتلوث قاتل خفي على أنه لا يدرج في شهادات الوفاة بوصفه مسببًا) (راجع مجلة "ناشيونال جيوغرافيك العربية" عدد إبريل 2021م، ص 54) .

وقد ثبت من خلال مشروع رائد تم في عام 1993م عرف باسم: دراسة المدن الست: (أن الناس الذين عاشوا في المدن الأكثر تلوثًا بين المدن الأمريكية الصغيرة الست التي درسها باحثو جامعة هارفارد كانوا أكثر عرضة للوفاة بنسبة 26% من الذين عاشوا في أنظف المدن).

قال رئيس الدراسة: (كانت النتائج مفاجئة جدًّا جدًّا، وفي الواقع وجدنا التأثير كبيرًا على درجة لم نصدقها).

على أن مجموعة بيانات طويلة الأمد أخرى من الجمعية الأمريكية للسرطان ما لبثت أن أكدت النتائج، (وكذلك أظهرت المزيد من البحوث حقيقتين آخرتين عن تلوث الهواء، هما: أنه مؤذٍ جدًّا حتى في أدنى مستوياته على خلاف ما كان يعتقد سابقًا. وأن أذاه يتخذ أشكالًا أكثر بكثير).

وأفادت لجنة من (جامعة إلينوي) بمدينة شيكاغو قامت بمراجعة واختصار بحوث تم إنجازها على مرِّ عقودٍ من الزمن: (أن الهواء الملوث يؤثر في جميع أنظمة الجسم الأساسية تقريبًا، فقد يتسبب في نحو 20% من وفيات السكتات الدماغية وداء الشريان التاجي، مثيرًا النوبات القلبية واضطرابات نبض القلب، وقصور القلب، وارتفاع ضغط الدم) (المصدر السابق، ص 54 - 55) .

وعلى المستوى العالمي يعد انتشار استخدام الفحم في الحصول على الطاقة أو التدفئة من أشد وأخطر أسباب تلوث الهواء بما يؤثر سلبيًّا على الصحة والمناخ معًا؛ حيث توجد محطات لإنتاج الكهرباء تدار باستخدام الفحم، كما يتم تحويل الفحم الخام إلى قطع صغيرة (قويلبات) تستخدم في المواقد المنزلية والتدفئة؛ إذ قد تحرق العائلة الواحدة ثلاثة أطنان من الفحم كل شتاء للتدفئة في البلاد الباردة.

ويعد الديزل -الذي هو أردأ من البنزين- مرغوبًا فيه: لأن المركبات تقطع به مسافات أطول قليلًا مما تقطعه بالبنزين، لكن دخان هذه المركبات الذي يتجاوز الحدود القانونية يجعل هواء الطرق كثيفًا بما يؤثر على الرئتين خاصة لدى الصغار، ومع ذلك فما زالت الإخفاقات السياسية والتنظيمية تسمح لمصنعي هذه السيارات ببيعها.

و(في عام 2015 اكتشف الناس أن شركة (فولكس فاجن) كانت قد برمجت 11 مليون سيارة تعمل بالديزل، (وقد أجبرت السلطات الأمريكية الشركة على إنفاق مليارات من الدولارات لتعويض الزبائن وإصلاح السيارات أو إعادة شرائها منهم، لكن أوروبا سمحت لواحد وخمسين سيارة أو شاحنة مغلقة -مِن شركات متعددة لتصنيع المركبات- بالبقاء على الطرق مطلقة انبعاثات لثاني أوكسيد النيتروجين أكبر من الحد المسموح به بثلاثة أضعاف أو أكثر، وفقًا لجماعة الضغط التي تحمل اسم: (الاتحاد الأوروبي للنقل والبيئة).

الصفحة التالية