تلوث الهواء... القاتل المجهول!
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
وقد توصلت إحدى الدراسات إلى أن هذا التلوث الزائد يتسبب بنحو 7000 وفاة سنويًّا، وبدلًا من أن تجبر أوروبا المصنعين على جعل سياراتهم تخضع للمعايير البيئية؛ فإنها في الغالب تلقي بعبء معالجة المشكلة على كاهل المدن على امتداد القارة، وتحظر السلطات المحلية أقذر السيارات أو تغرم أصحابها، وهي خطوة نحو تحقيق هواء أنظف، وهناك مؤشرات على أن إجراءات كهذه تدفع السائقين بعيدًا عن الديزل، لكن هذه الجهود متفرقة لا تقارب في فاعليتها الفعالية التي يمكن أن يكون عليها إجراء تتخذه جهات رسمية عليا) (راجع المصدر السابق، ص 55 بتصرفٍ) .
أما الدخان الناتج عن حرائق الغابات والبراري فيعد كارثيًّا؛ فأينما وجد حريق فثم دخان سام، فحريق يزحف على غابة جافة يتحول إلى إعصار من اللهب يندفع لآلاف من الهكتارات جاعلًا من كل شيء في طريقه وقودًا له، ويتسبب في حرق الأشجار والمراعي، والأكواخ الجبلية، وجسور المشاة، وأعمدة الإنارة، والأسوار والسيارات في الطرق القريبة، وقد يودي بحياة أشخاص وبعض رجال إطفاء، ويلف الدخان المتصاعد كل مكان في مسار الحريق، وينتشر ويتصاعد ويحجب الأجواء أبعد بكثير من مكان اللهب الفعلي، وعلى امتداد آلاف الكيلومترات.
وفي كل عام تشتعل حرائق في البراري في مساحات شاسعة من العالم، ويقوم الخبراء برسم خرائط ترصد تداعياتها باستخدام صور القمر الصناعي التابع لوكالة ناسا.
وتعد حدائق البراري في غرب الولايات المتحدة خلال شهري: أغسطس وسبتمبر عام 2020 من بين الأسوأ في التاريخ؛ إذ نتج عنها دخان هائل ظل مهيمنًا على مدن، مثل: سان فرانسسكو لأسابيع عديدة، وفي الهند يؤدي حرق النفايات الزراعية لتهيئة الحقول بشمال غربي دلهي -الأكثر سكانًا في الهند إذ بها نحو 30 مليون نسمة- إلى تفاقم نوعية الهواء الرديئة بها أصلًا.
أما في أستراليا، فإن الحرائق الموسمية ظاهرة طبيعية هناك، لكن شهد عامي: 2019 و2020م، درجات حرارة مرتفعة قياسيا وأمطارًا شحيحة للغاية؛ مما أنذر بحدوث قحط ووقوع مزيد من الحرائق الموسمية المرتقبة، وتشهد قارة إفريقية في أغسطس موجة من الحرائق يشعل معظمها لتهيئة الأرض للزراعة.
وجدير بالذكر: أن جل تلوث الهواء في العالم لا يزال ينشأ من مصادر أخرى: كعوادم المركبات، والأفران، ودخان حرق الأخشاب والمنشآت الصناعية، والحرائق الزراعية لإزالة مخلفات الحاصلات الزراعية، وأوراق الشجر ونيران الطهي في الأماكن المغلقة.
وهناك فوق ذلك تلوث ناتج من الزراعة الصناعية الحديثة؛ إذ يطلق السماد العضوي (الزبل) -بالإضافة إلى الأسمدة الكيميائية- كميات كبيرة من غاز النشادر الذي يتفاعل مع ملوثات أخرى في الهواء لإنتاج جسيمات دقيقة ضارة تلوث الهواء.
والهواء الملوث هو خليط من الغازات والجسيمات الدقيقة، ومن هذه الجسيمات ما هو دقيق جدًّا، وبإمكانه دخول مجرى الدم مسببًا أضرارًا خطيرة بأجهزة الجسم المختلفة.
ومن أخطر الملوثات الرئيسية في الهواء:
- غاز ثاني أكسيد النيتروجين: الذي ينتج من إحراق الوقود الأحفوري المستخدم في تشغيل المركبات ومحطات إنتاج الطاقة، وهو غاز مهيج للمجاري الهوائية.
- غاز ثاني أكسيد الكبريت: وينتج أيضًا من إحراق الوقود الأحفوري، وأكبر مصادره محطات إنتاج الطاقة والمنشآت الصناعية، ومن مصادره الطبيعية: البراكين، وهو يصيب الإنسان حال التعرض له بصعوبة في التنفس.
- غاز الأوزون: الذي يتولد عند مستوى الأرض من تفاعل انبعاثات المركبات والمصانع كيميائيًّا في وجود أشعة الشمس، ويسبب تهيج الحلق والتهابه، ويحدث آلامًا في الصدر.
- الجسيمات الدقيقة: منها الجسيمات الدقيقة (بي أم 10) التي تنتج من عوادم المركبات، وغبار الطرق والحرائق، وهي تعلق بالأنف مجرى الهواء العلوي، وللتخلص الجسم منها يكون العطاس والسعال. ومنها الجسيمات الدقيقة جدًّا (بي أم 2.5) التي تنتج من المصانع، وعوادم المركبات وإحراق النفايات، والخشب وحرائق البراري، وهي جسيمات دقيقة جدًّا معلقة في الهواء بحجم أصغر من 5و2 ميكرومتر، أي: أن قطرها أصغر من قطر شعرة في الرأس بنحو 30 مرة، ويمكنها لصغرها أن تسير في مجاري التنفس إلى أن تبلغ الحويصلات الهوائية في الرئة والدخول إلى مجرى الدم.
وقد وجد العلماء جسيمات منها في القلب والدماغ والمشيمة، وفي جائحة كورونا كانت معدلات الوفاة بالجائحة أكبر في الأماكن التي حوت كميات أكبر من هذه الجسيمات الدقيقة جدًّا.
ومن خلال البيانات الخاصة بنوعية الهواء على مستوى الولايات المتحدة، وسجل وفيات مرض كوفيد - 19 أجرته جامعة (جونز هوبكنز) في عام 2020 م، وجد أن التعرض للتلوث بتلك الجسيمات في الهواء الفاسد لعقود سابقة تسبب في 15 % من وفيات مرض كورونا (المصدر السابق، ص 54) .
تداعيات التلوث بالجسيمات الدقيقة جدًّا على الجسم:
- في الدماغ: يؤدي التعرض طويل الأمد لتلك الجسيمات، ولثاني أوكسيد النيتروجين، ولثاني أوكسيد الكبريت إلى حالات تدهور إدراكي، وزيادة خطر الإصابة بالزهايمر. وفي دراسة عام 2019 وجد أن 26 % من حالات السكتة الدماغية عالميًّا بسبب جسيمات (بي أم 2.5).
- في الجهاز العصبي: يقترن التلوث باضطرابات في النمو العصبي، وبالوفيات الناتجة من مرض (باركنسون).
- في القلب والأوعية الدموية: يسبب التلوث زيادة خطر الوفاة بالأمراض القلبية الوعائية، ومنها: داء الشريان التاجي، والنوبات القلبية، وجلطات الدم.
- في الجهاز التنفسي: يهيج التلوث المجاري التنفسية، ويتسبب في العطس والسعال، والإصابة بالربو وسرطان الرئة، ويزيد بنسبة 40 % الإصابة بمرض الانسداد الرئوي المزمن.
- في الغدد الصماء: يسبب التلوث خللًا في عملها، فيساهم في حدوث اضطرابات استقلابية (أيضية) في الجسم.
- في الجهاز البولي: يسبب التلوث طويل الأمد زيادة احتمالات الإصابة أكثر بمرض الكلى المزمن.
- في الجهاز التناسلي: يتسبب التلوث في ضعف الخصوبة، وزيادة حالات الحمل غير الناجح، وزيادة الولادات المبكرة.
