الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (121) دعوة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-لأبيه وقومه إلى التوحيد وبراءته من الشرك (25)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ . فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ . فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ . فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ . إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ . وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ . وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) (الأنعام: 74-83) .
قوله -تعالى-: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيم)، فيه فوائد:
الأولى: قوله -تعالى-: ( وَتِلْكَ حُجَّتُنَا ): استعمال اسم الإشارة للبعيد لعلوِّ شأن الحجة الربانية التي يؤتيها الله -عز وجل- أنبياءه ورسله، وأولياءه مِن أهل العِلْم لنصرة التوحيد وإثبات الرسالة، وبطلان عبادة غير الله والبراءة من الشرك وأهله ومعرفة عاقبة التوحيد وعاقبة الشرك، وهي أعلى الحجج شأنًا، وهي الحجة المبنية على الوحي الذي يرشد العقل الإنساني إلى أحسن الطرق للفهم والإدراك، والمعرفة الحقيقية للحق والباطل، لا الحجج السخيفة الفلسفية والكلامية التي سَمَّاها أصحابها حججًا عقلية، وهي تؤدي دائمًا إلى أشدِّ النتائج تناقضًا، ولا يعرف بها حقٌّ مِن باطل في حقيقة الأمر، وهي مجرد كلام لا طائل منه، ولا يرشد القلب إلى صلاحه في الدنيا والآخرة، ولا يحييه بنور الإيمان.
ومَن أراد أن يعرفَ الفَرْق بين حجج الله المنيرة، وبين الطرق الفلسفية والكلامية؛ فليأخذ قضية واحدة أيما ما كانت، ولتكن مثلًا: قضية القضاء والقَدَر، والعلاقة بين إرادة الله وإرادة الإنسان وقدرته وفعله، وليقارن بين الطريقتين، وسيعلم قطعًا أن الحجج القرآنية والنبوية المتمثِّلة في الأحاديث الصحيحة هي التي تتضمَّن تَوَافق العقل والنقل، والفطرة الصحيحة، وتتضمَّن العدل الوسط بين فِرَق الجبرية والقدرية، والتي يجزم العقل السليم ببطلان هذه المذاهب كلها، وسيجزم أن ما جاء به الوحي هو الذي يتطابق تمامًا مع العقل ولا يخالفه، فاللهم لك الحمد على نعمة الوحي.
وإن أردتَ المزيدَ مِن مراجعة هذه القضية؛ فارجع إلى كتاب: "كيف نؤمن بالقدر؟"، وكتاب: "شرح شفاء العليل للإمام ابن القيم"، وستجد -إن شاء الله- ما يريح القلب في هذه القضية التي حَيَّرت البشرية التائهة بعيدًا عن نور الوحي.
وتأمل أثر الطرق الفلسفية والكلامية في عقيدة النصارى -بعيدًا عن الكتب المُنَزَّلة فإنها حتى بعد التحريف والتبديل ما زالت تتضمَّن مِن أدلة التوحيد، وانفراد الله بالإلهية والربوبية- ؛ إذ يجزم كلُّ عاقلٍ أن ما تضمَّنه قانون الإيمان المسيحي المأخوذ من الفلسفة اليونانية يتناقض تمامًا مع ما جاءت به الرُّسُل؛ فضلًا عن أن تقارن هذا مع القرآن العظيم وسنة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في هذه القضية الخطيرة؛ قضية عبودية المسيح لله -عز وجل-، وعدم مشاركته لله -عز وجل- في شيء مِن الربوبية والألوهية.
وستجد أيضًا: الفَرْق الهائل في الأثر في القلب بين نصوص الوحي، وبين علم الكلام والفلسفة الذي يوصل إلى النتائج المتناقضة التي لا يقبلها عقل سليم.
ولتتأمل أيضًا: في قضية انفراد الرب -سبحانه- بالضر والنفع، والإحياء والإماتة، والملك وتدبير الكون، كما دَلَّت عليه نصوص الكتاب والسنة، وبين خرافات الطرق الصوفية، وزبالة أفكار المبتدعين الذين وصلوا ببدعتهم إلى القول بالحلول والاتحاد، وأن لا فرق بين العبد والرب!
فـالـرب عـبـد والــعـبـد رب فيا ليت شعري مَن المُكَـلَّـف
إن قــلـت عــبـد فــذاك رب وإن قــلـت رب أنَّى يُكــَلَّـف!
