شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جواب على رسائل مرتكبي جريمة حرق المصحف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

وتحضرني في ذلك تلك العبارة البليغة التي قالها الأديب مصطفى صادق الرافعي، وهو أبرز من رد أكاذيب المستشرقين وأذنابهم حول إعجاز القرآن، قال - رحمه الله - في كتابه (تحت راية القرآن): "إن الباطل لا يجد أبداً قوته في طبيعته، بل تأتيه القوة من جهة أخرى فتمسكه أن يزول، فإذا هي تراخت وقع، وإذا زالت عنه اضمحل. أما الحق فثابت بطبيعته قوي بنفسه...".

ومن هنا فما زال - وفي قلب أوروبا المتشدقة بالعقلانية والغالية في احترام اختيارات الآخرين إلى حد الهوس بالدفاع عمن اختار الشذوذ - ما زال هناك من يختار أسلوب الاستهزاء والسخرية والتشغيب لمنع العالم من سماع أو قراءة القرآن.

ومن هؤلاء سفهاء دولة السويد الذين بين الحين والآخر يقومون بإحراق نسخ من المصحف الشريف.

وعندما سئل أحدهم عن هدفه فقال: "السخرية والاستهزاء من الإسلام"!!!

وهذا يدل على الغيظ الذى يملأ قلوبهم كمال قال تعالى: (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ? قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ? إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ) .

ولكن يبقى أن هدف المستهزئين الأكبر هو صد الناس عن اتباع الحق وإذا كانت هذه هي الرسالة فلا بد من أجوبة، والجواب الأول: وعيد الله لهم.

ثانيا: وعيد الله لمن أراد صد الناس عن سماع آياته

قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ * ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)

قال العلامة السعدي في تفسير هذه الآيات: "يخبر تعالى عن إعراض الكفار عن القرآن، وتواصيهم بذلك، فقال: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ) أي: أعرضوا عنه بأسماعكم، وإياكم أن تلتفتوا، أو تصغوا إليه ولا إلى من جاء به، فإن اتفق أنكم سمعتموه، أو سمعتم الدعوة إلى أحكامه، فـ (الْغَوْا فِيهِ) أي: تكلموا بالكلام الذي لا فائدة فيه، بل فيه المضرة، ولا تمكنوا -مع قدرتكم- أحدًا يملك عليكم الكلام به، وتلاوة ألفاظه ومعانيه، هذا لسان حالهم، ولسان مقالهم، في الإعراض عن هذا القرآن، (لَعَلَّكُمْ) إن فعلتم ذلك (تَغْلِبُونَ) .

وهذه شهادة من الأعداء - وأوضح الحق ما شهدت به الأعداء - فإنهم لم يحكموا بغلبتهم لمن جاء بالحق إلا في حال الإعراض عنه والتواصي بذلك، ومفهوم كلامهم: أنهم إن لم يلغوا فيه، بل استمعوا إليه وألقوا أذهانهم، أنهم لا يغلبونه! فإن الحق غالب غير مغلوب، يعرف هذا أصحاب الحق وأعداؤه.

ولما كان هذا ظلمًا منهم وعنادًا، لم يبق فيهم مطمع للهداية؛ فلم يبق إلا عذابهم ونكالهم، ولهذا قال: (فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) وهو الكفر والمعاصي، فإنها أسوأ ما كانوا يعملون، لكونهم يعملون المعاصي وغيرها، فالجزاء بالعقوبة إنما هو على عمل الشرك (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا). (ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ) الذين حاربوه، وحاربوا أولياءه بالكفر والتكذيب والمجادلة والمجالدة. (النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ) أي: الخلود الدائم، الذي لا يفتر عنهم العذاب ساعة ولا هم ينصرون، وذلك (جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) فإنها آيات واضحة، وأدلة قاطعة مفيدة لليقين، فأعظم الظلم وأكبر العناد جحدها والكفر بها.

ثالثا: جواب أهل الإسلام: العناية بالقرآن قراءة وفهما وعملا

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير الآيات السابقة "هَذَا حَالُ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَةِ مِنَ الْكُفَّارِ، وَمَنْ سَلَكَ مَسْلَكَهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ -سُبْحَانَهُ- عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَقَالَ: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون) "

ولله دره من إمام لم يفته أن يبين للمؤمنين أنهم وهم يذمون أحوال الكفار عليهم ألا يقصروا في واجبهم هم تجاه القرآن: من الاستماع والإنصات والاتباع. وهذا ينبغي أن يكون الجواب الأول في ردة فعلنا أن نعلم أن الأعداء يريدون إبعاد البشرية عن القرآن، فربما أبعدوا هؤلاء بتلك الطريقة الصاخبة.

ولكن ألا تقدم لنا ذات الحضارة - التي يقوم بعض أبنائها بهذه الجريمة، ويسمح بها البعض الآخر، بينما يستنكرها البعض الثالث استنكارًا باهتًا أقرب إلى الإقرار منه إلى الاستنكار- ألا يقدمون للمسلمين أنفسهم أنواعا من الشواغل عن كتاب ربهم؟

وإذا كانوا يقدمون -وهم يقدمون- فماذا نحن فاعلون؟؟

رابعًا: جواب أهل الإسلام: الاعتزاز بالإسلام وبالقرآن

قدمنا أن من أهداف السخرية من دعوةٍ ما؛ تنفير الناس من سماعها ابتداءً. وقد يكون من أهدافها محاصرة أتباع هذه الدعوة من إظهارها خوفًا من تلك السخرية. فهل نرد على هذا بإظهار الاعتزاز بالإسلام؟ ونشر فضائل القرآن؟!

جاء الوليد بن المغيرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحرب السخرية آنذاك على أشدها في رمي القرآن بكل فرية - فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن أسمعه القرآن، وهو أمر تكرر مع غيره من مشركي العرب ومع اليهود ومع وفد نصارى نجران.

وكما أنه في زماننا ليس كل الكفار في سفاهة "حرّاقي المصاحف"، فكذلك لم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كل الكفار أبا جهل. وكان الوليد بن المغيرة ممن له عقل، فلما سمع القرآن وقع في قلبه وحدث نفسه بالإسلام، وعرفت قريش هذا من تغير سلوكه بعد جلوسه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسماع القرآن فسارع أبو جهل وهدده بأنه سيُعيّر إن اتّبع النبي صلى الله عليه وسلم بأنه اتّبعه لحاجة، وطلب منه أن يقول عن القرآن أي فرية مما كان يتردد، فقال تلك العبارات في وصف القرآن وإن بقي على كفره: "إن لقوله الذي يقول حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته" .

الصفحة السابقة الصفحة التالية