شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

جواب على رسائل مرتكبي جريمة حرق المصحف

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال تعالى: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) ومن مظاهر ضعفه: تكرار حيله، وما يوحي به إلى أوليائه مع تباعد أزمانهم وأوطانهم. ولذلك وجدنا تشابهًا كبيرًا بين طرق مقاومة أهل الباطل لانتشار الحق في كل أمة.

ومن هذه الطرق: السخرية ومحاولة الانتقاص؛ بحيث يسهل عليهم صرف الناس عن سماع حجتهم، بدعوى أنهم كأشخاص لا يستحقون أن يُـسمع منهم، وأنه لا يتصور أن ينطق هؤلاء بحق أصلا أو أن ينفردوا به عن ذوي المكانة والصولجان.

ولأن الحق متى التقطته الآذان -ولو عرضًا- يجد طريقه إلى القلب لو كان القلب طالبًا للحق؛ فلم يكن هؤلاء المكذبون للرسل عبر التاريخ يكتفون بالسخرية والاستهزاء بل كانوا يضيفون إليها الدعوة إلى إغلاق الآذان حرفيًا، كما اشتكى نوح عليه السلام صنيع قومه وحكاه الله عنه في قوله: (وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا) .

وأما أبو جهل ورفاقه فكانوا أيضا ينهون ويتناهون عن سماع القرآن، ومع هذا كانوا يخافون أن يسمع البعض فيحمله هذا على أن يستمع ثم يتدبر فيقوده هذا إلى الإيمان. فكانوا يتواصون فيما بينهم بالتشغيب على صوت النبي صلى الله عليه وسلم حال جهره بقراءة القرآن، إما بالغناء أو التصفيق أو بذكر حكايات الأسفار وأخبار الملوك.

وما أشبه الليلة بالبارحة!

فأوروبا اليوم تشعر بفخر كبير وشعور بالتميز وأنهم في نهاية المطاف يقدمون للعالم الحل الأمثل، بعد أن مروا بعدة مراحل من الوثنية إلى نصرانية بولس إلى العالمانية إلى العالمانية المستندة إلى التاريخ النصراني كهوية ثقافية مع الحفاظ على عالمانية التشريع العام. وبالتالى لا تشعر أوربا أنها بحاجة إلى تقديم أي ممانعة تجاه أى دين أو فكر، بل داخل الفكر العالمانى نفسه لا تشعر أوروبا أنها ما زالت بحاجة إلى الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية والاقتصاد الرأسمالي في مقابل خيار الحكم الشمولي والاقتصاد الاشتراكي.

وشعورهم بالتفوق والثقة - أن مناهجهم أينما حلت ملأت السهل والوادي وسيطرت على عقول الكبار والصغار - واضح جدا.

إلا أن اعتناء مراكز دراساتهم بدراسة الإسلام كدين، ثم بدراسة أحوال المسلمين ومواقعهم من التمسك بهذا الدين، وتقديمهم الدعم لمن يقدمون أفكارا تهدم أسس هذا الدين، ثم التصريح من كثير من مفكريهم أن الحائل الوحيد بينهم وبين الوصول إلى سيادة نمطهم الفكري كمحطة نهائية للبشرية هو الإسلام .

وذلك لأن الإسلام لم يعارض العقل ليقال فِرّ منه إلى العالمانية العقلانية، ولم يأت بأي شيء أثبتت حقائق العلم الحديث خلافه، بل العكس. وكمال تشريعاته وتوازنها وتحقيقها لسعادة البشرية أمر لا يخفى على كل ذي عقل سليم.

كما أن القرآن -معجزته الخالدة- يجدد لدى النفس البشرية نداء فطرتها أن تعرف خالقها وتعرف رسالتها ومصيرها، رغم أن العالمانية تريد من الإنسان أن يبقى عقله وقلبه حبيسين لهذا "العالم الدنيوي".

ومن هنا يدرك هؤلاء أن وصولهم لمحطتهم النهائية لن يتم ما بقي الإسلام والقرآن، ومن هنا كانت حربهم ضد الإسلام وضد رسوله صلى الله عليه وسلم وضد القرآن كتابه الخالد وضد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ضد كل علوم الشريعة بدعوى أنها نتاج بشري.

وربما وافقهم في الجزئية الأخيرة كثير من المخدوعين فيقول أن الفقه مثلا هو اجتهادات فقهاء فمن أين أعطيناها القدسية؟! والكلام إلى هنا الحد صحيح وقد نبه على هذا الأئمة الأعلام أنفسهم، فكلهم قال باللفظ أو المعنى: "إذا رأيتم قولي يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط".

ولكن هذا لا يمكن أن يُـفسر على أنه ثورة على هذا الفقه، بل حتى العلوم الدنيوية المحضة كالطب والهندسة لا عصمة فيها لأحد، ولكن أهلها لا يقبلون الخروج على مجموع ما استقرت عليه هذه العلوم.

وهذه العلوم الشرعية هي حصيلة تراكمية للأمة في فهم وتطبيق الكتاب والسنة، والأمة في جملتها أمة معصومة، وإن كان لا عصمة لأحد فيها بعينه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

المهم أن القوم ماضون في حربهم تلك.

وحيث أن العالمانيين ينتحلون الدعوة إلى إعمال العقل ومناهج البحث العلمي؛ فقد تتوهم أن سلاحهم الأول بل الوحيد هو الإقناع العقلي، وأنه من المستحيل عليهم اللجوء للاستهزاءٍ أو السخرية أو التشغيب، وأنهم متى وجدوا أن المنهج الذى يحاربونه منهجا علميا مدونا و مخدوما في نظام بديع، يبدأ بكتاب شامل يُجمل قضايا هذا الدين هو القرآن، ثم بيان له في سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تطبيقات وشروح عبر خمسة عشر قرنا من الزمان؛ فإنهم سيرحبون و يفرحون و يقولون بلسان الحال و المقال "جئتم إلى ساحتنا"!

وبالفعل بدأ المستشرقون في دراسة الإسلام إلا أن كثيرًا منهم خرج من دراسته معتنقًا للإسلام، وبعضهم خرج يُثني على الإسلام بحيث تجزم أنه ما حال بينه وبينه إلا خوفه على ضياع ما هو فيه.

و على إثر تلك المحاولات تناسى المستشرقون و العالمانيون دعاوى الشفافية و المصداقية و الانصاف و اتجه معظمهم إلى تبنى دراسات مغلوطة عن الإسلام، ما زالت تمثل الوقود المحرك لكثير من الملاحدة والعالمانيين والمبشرين، على الرغم من أن هذه الدراسات المغلوطة قد قوبلت بردود مفحمة، وهذه الردود ما زال ينهل منها ويضيف إليها دعاة الإسلام بفضل الله تعالى.

وما زال الواقع يقدم أدلة جديدة على عظمة الدين الإسلامي وكمال تشريعاته من ثبوت ضرر أكل لحم الخنزير، والميتة، وضرر أكل آكلات اللحوم، وما داء كورونا منا ببعيد!! وثبوت أن الربا يتضمن ظلما للمجتمع ككل، وأن مفاسده تظهر جلية حينما يتراكم فيصبح أضعافًا مضاعفة؛ وحينئذ تنفجر الفقاعات المصرفية وتنهار الأسواق كما حصل غير ذات مرة.

إذن من يسلك طريق الحوار المنصف ينتهى به الأمر في النهاية إلى إما الإسلام أو التسليم بالعجز .

ومن يسلك طريق الحوار المغلوط يحقق بعض النتائج، ولكن لا يكاد يصطاد إلا ذوى الهمم الضعيفة. لأن من يتعرض لهذه الشبهات إذا بحث عن جوابها يجده ميسورًا بفضل الله.

الصفحة التالية