شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الهجرة النبوية في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

قال الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي في تفسير هذه الآية الكريمة من سورة التوبة: ( ‌إِلَّا ‌تَنْصُرُوهُ ‌فَقَدْ ‌نَصَرَهُ ‌اللَّهُ ) "أي: إلا تنصروا رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ فالله غني عنكم لا تضرونه شيئًا، فقد نصره في أقل ما يكون ( إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ) من مكة، لما هَمُّوا بقتله وسعوا في ذلك، وحرصوا أشد الحرص، فألجأوه على أن يخرج، ( ثَانِيَ اثْنَيْنِ ) أي: هو وأبو بكر -رضي الله عنه-، ( إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ ) أي: لما خرج مِن مكة لجأ إلى غار ثور في أسفل مكة، فمكثا فيه ليبرد عنهما الطلب، فهما في تلك الحالة الحرجة الشديدة المشقة، حين انتشر الأعداء من كلِّ جانب يطلبونهما ليقتلوهما؛ فأنزل الله عليهما من نصره ما لا يخطر على بال ( إِذْ يَقُولُ ) النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لِصَاحِبِهِ ) أبي بكر لما حزن واشتد قلقه، ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) بعونه ونصره وتأييده، ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) أي: الثبات والطمأنينة والسكون المثبتة للفؤاد.

ولهذا لما قلق صاحبه سكَّنه، وقال: ( لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ).

( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ) وهي: الملائكة الكرام الذين جعلهم الله حرسًا له، ( وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى ) أي: الساقطة المخذولة، فإن الذين كفروا قد كانوا على حردٍ قادرين في ظنهم على قتل الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخذه، حانقين عليه، فعملوا غاية مجهودهم في ذلك، فخذلهم الله، ولم يتم لهم مقصودهم، بل ولا أدركوا شيئًا منه، ونصر الله رسوله بدفعه عنه، وهذا هو النصر المذكور في هذا الموضع؛ فإن النصر على قسمين: نصر المسلمين إذا طمعوا في عدوهم بأن يتم الله لهم ما طلبوا وقصدوا، ويستولوا على عدوهم ويظهروا عليهم. والثاني: نصر المستضعف الذي يطمع فيه عدوه القادر، فنصر الله إياه أن يرد عنه عدوه، ويدافع عنه، ولعل هذا النصر أنفع النصرين. ونصر الله رسوله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين من هذا النوع. وقوله ( وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ) أي: كلماته القدرية وكلماته الدينية هي العالية على كلمة غيره، التي مِن جملتها قوله: ( ‌وَكَانَ ‌حَقًّا ‌عَلَيْنَا ‌نَصْرُ ‌الْمُؤْمِنِينَ ) (الروم: 47) ، ( ‌إِنَّا ‌لَنَنْصُرُ ‌رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ ) (غافر: 51) ، ( ‌وَإِنَّ ‌جُنْدَنَا ‌لَهُمُ ‌الْغَالِبُونَ ) (الصافات: 173) ، فدين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان بالحجج الواضحة والآيات الباهرة والسلطان الناصر، ( وَاللَّهُ عَزِيزٌ ) لا يغالبه مغالب ولا يفوته هارب، ( حَكِيمٌ ): يضع الأشياء مواضعها، وقد يؤخِّر نصر حزبه إلى وقتٍ آخر اقتضته الحكمة الإلهية) (راجع تفسير "تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان"، تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - ط. مكتبة الرحاب بالقاهرة- ط. الأولى 1428هـ - 2007م، ص 349) .

الصفحة السابقة