شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الهجرة النبوية في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

- وأخبر القرآن الكريم أن كفار قريش أجبروا الرسول -صلى الله عليه وسلم- ومَن آمن معه مِن الصحابة -رضي الله عنهم- على الخروج مهاجرين من مكة إلى المدينة؛ قال الله -تعالى-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ‌بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ ) (الممتحنة:1) ، وقال -تعالى-: ( ‌لِلْفُقَرَاءِ ‌الْمُهَاجِرِينَ ‌الَّذِينَ ‌أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (الحشر: 8) ، وقال الله -تعالى-: ( ‌إِنَّمَا ‌يَنْهَاكُمُ ‌اللَّهُ ‌عَنِ ‌الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) (الممتحنة:9) .

- ولهذا كان من دعاء المؤمنين المستضعفين إذا اضطهدهم قومهم وعجزوا عن الهجرة، الطلب من الله أن ييسر لهم الهجرة والفرار بالدِّين، وأن ينصرهم على عدوهم؛ قال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌لَكُمْ ‌لَا ‌تُقَاتِلُونَ ‌فِي ‌سَبِيلِ ‌اللَّهِ ‌وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ) (النساء: 75) .

- ذكر طرف من أحداث الهجرة مفصلة:

لم يأتِ ذكر أحداث الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة في القرآن الكريم مفصلًّا إلا في موضع واحد، يتعلق بالكلام عن أحداث غزوة تبوك، والتي كانت في شهر رجب من السنة التاسعة بعد الهجرة، أي: بعد وقوع الهجرة النبوية بأكثر من تسع سنوات، وذلك في سورة التوبة؛ قال الله -تعالى- فيها: ( ‌إِلَّا ‌تَنْصُرُوهُ ‌فَقَدْ ‌نَصَرَهُ ‌اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) (التوبة:40) .

ومعلوم أن غزوة تبوك كانت في ظروف صعبة وقاسية لم يشهد المسلمون مثلها من قبل، فالخروج إلى تبوك سفر طويل، والوقت حار، والكثيرون يتطلعون إلى جني الثمار والزروع بعد طول انتظار، والعدو هو الروم؛ أقوى جيش في ذلك الوقت عددًا وعدة، فكانت الدعوة للخروج لمقاتلة الروم فيها مشقة وابتلاء لا يصبر عليه إلا أهل إيمان وصدق، ولا يطيقه أهل النفاق والشك؛ لذا كشفت هذه الغزوة أهل النفاق والريب وفضحتهم، فراح الكثيرون منهم يقدِّم الأعذار الواهية والدعاوي الكاذبة للتخلف عن المشاركة في الخروج، بل عمد هؤلاء المنافقون إلى بث روح الوهن في نفوس المؤمنين وتثبيط هممهم.

قال اللواء الركن محمود شيت خطاب: (كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا، وغزو عدو كثير؛ فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريده ليتأهبوا؛ لذلك لم يكتم نواياه؛ لأن المسافة طويلة يجب قطعها صيفًا، فلا بد من اكتمال المؤنة والنقلية -ما ينتقلون به من دواب وغيرها- للمجاهدين قبل الحركة، حتى لا يؤدي نقص القضايا الإدارية إلى فشل المسلمين في تحقيق هدفهم المنشود.

وليس من السهل تجهيز قوات المسلمين الكبيرة بما تحتاجه من مؤنة ونقلية وأسلحة ما لم يشارك أغنياء المسلمين في تجهيز هذا الجيش مشاركة فعَّالة؛ فأقبل هؤلاء الأغنياء على بذل أموالهم بسخاء وعن طيب خاطر، كما أقبل المسلمون من كلِّ فج تلبية لداعي الجهاد. وانتهز المنافقون فرصة شدة الحر، ونضوج الثمر، وطول المسافة، وقوة العدو؛ فأخذوا يثبطون العزائم وينشرون الروح الانهزامية بين المسلمين، ولكنهم فشلوا في محاولاتهم إذ لم يتخلف من المسلمين أحدٌ إلا ثلاثة رجال)، (وبقي في المدينة بعض المسلمين الذين لم يجد الرسول -صلى الله عليه وسلم- ما يحملهم عليه، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون)، وقد (وزَّع هرقل رواتب سنة كاملة على قواته النظامية، كما وزع كثيرًا من المال على القبائل العربية الخاضعة لسيطرته؛ تشجيعًا لهم لمعاونة جيشه في الصراع الوشيك. وبعد إنجاز استعدادات قواته أرسل طلائعها إلى (البلقاء) لستر التحشد الذي تم بعد ذلك في منطقة تبوك) (راجع: "الرسول القائد"، اللواء الركن محمود شيت خطاب - ط. دار القلم - ط. الثالثة 1964، ص 390 - 391 بتصرفٍ) .

ولقد نصر الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه الغزوة نصرًا سياسيًّا كبيرًا؛ إذ انسحبت قوات الروم من تبوك شمالًا لما وصلتهم الأخبار عن وصول جيش المسلمين بقيادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وارتفاع قوة معنوياتهم، وللسيطرة على المنطقة (أقام المسلمون حوالي عشرين يوما في منطقة تبوك انتظارًا لعودة جيوش الروم، وتأمينًا للحدود الشمالية بعقد المعاهدات مع سكانها، ودعمًا لهيبة الإسلام في نفوس القبائل، والعمل لحماية نشر الدعوة في تلك الأرجاء، فلما أنجزوا كل ذلك تحركوا عائدين إلى المدينة) (انظر: "الرسول القائد"، ص 394 - 395) .

وتسجيلًا لذلك النصر المؤزر من الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- كان نزول هذه الآية الكريمة تربط بين نصر الله -تعالى- لنبيه في أحلك الأوقات، وقت الهجرة من مكة إلى المدينة، وكفار قريش يتربصون به ويطاردونه، وهو وحيد لا حول له ولا قوة إلا بالله، وبين نصر الله -تعالى- لنبيه في ظروفه شديدة الصعوبة في غزوة تبوك؛ فكلاهما من فضل الله -تعالى- على نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

الصفحة السابقة الصفحة التالية