شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الهجرة النبوية في القرآن الكريم

الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد اتفق صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- على اتخاذ العام الذي هاجر فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- من مكة إلى المدينة بداية لتاريخ الإسلام؛ لأهمية هذا الحدث الكبير.

ومعلوم أن مِن سنة الله -تعالى- في رسله وأنبيائه: أنهم يعانون مِن عداء مَن خالفهم ولم يؤمن بما جاءوا به من عند الله -تعالى-؛ فيصبرون -هم ومن آمن بهم على قلتهم وضعفهم- على الاضطهاد والأذى، بل ويجبرون على هجرة أوطانهم إلى غيرها فرارًا بدينهم، حتى يأتيهم هم وأتباعهم نصر الله -تعالى-.

وهذه من الأمور التي يدركها كلُّ مَن درس سيرة الرسل والأنبياء وتأمل فيها؛ فهذا ورقة بن نوفل لما أخبره النبي -صلى الله عليه وسلم- بنزول الوحي عليه وهو في غار حراء -وكان ورقة ابن عم لخديجة بنت خويلد زوج النبي -رضي الله عنها- قد تنصر في الجاهلية، وكان على علم بالإنجيل-، فقال ورقة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللهُ عَلَى مُوسَى، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا -إذ كان هو وقتها شيخًا كبيرًا قد عمي-، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( ‌أَوَمُخْرِجِيَّ ‌هُمْ؟! )، قَالَ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا. ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ، وَفَتَرَ الْوَحْيُ" (متفق عليه) .

وهذا إبراهيم خليل الرحمن وأبو الأنبياء -عليه السلام- يتعرض للاضطهاد من أبيه وقومه، إذ قال له أبوه كما قال -تعالى- حاكيًا عنه: ( ‌قَالَ ‌أَرَاغِبٌ ‌أَنْتَ ‌عَنْ ‌آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا ) (مريم:46) ، فاعتزل إبراهيم -عليه السلام- قومه، قائلاً: ( وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا ) (مريم 48) ، وقال -تعالى- عنه: ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ) (مريم: 49) ، ولهذا هجر وطنه، قال -تعالى- عنه: ( ‌فَآمَنَ ‌لَهُ ‌لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (العنكبوت: 26) .

هجرة الأنبياء بإذن من ربهم:

وهذه الهجرة من الرسول أو النبي إنما تكون بعد إذن الله -تعالى- له بذلك، لا من تلقاء نفسه؛ فليس له أن يترك مَن أرسله الله -تعالى- إليهم إلا إذا اضطر لذلك وخشي على نفسه وعلى مَن آمن معه، وبعد أن يأذن الله -تعالى- له بذلك؛ ولهذا كان العتاب لنبي الله يونس -عليه السلام- لما ترك قومه قبل أن يؤذن له بذلك، بعد أن عانده قومه وأغضبوه، كما قال -تعالى-: ( ‌وَذَا ‌النُّونِ ‌إِذْ ‌ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ) (الأنبياء: 87 - 88) ، وقال -تعالى- في شأنه أيضًا: ( ‌فَاصْبِرْ ‌لِحُكْمِ ‌رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ . لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ . فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) (القلم: 48 - 50) .

وهذا ما كان من أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- مع كفار قريش؛ إذ عاش بين أظهرهم سنين طوال يدعوهم إلى الله -تعالى-، ويصبر هو ومَن آمن معه على آذاهم، حتى وَجَّه النبي -صلى الله عليه وسلم- أتباعه بالهجرة مرة إلى الحبشة، وأخرى إلى المدينة (يثرب)، ولم يهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن بلغ الأمر منتهاه بتآمر قريش على قتله، قال -تعالى-: ( ‌وَإِذْ ‌يَمْكُرُ ‌بِكَ ‌الَّذِينَ ‌كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ) (الأنفال: 30) .

(ولما تم اتخاذ القرار الغاشم بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- نزل إليه جبريل بوحي ربه -تبارك وتعالى-، فأخبره بمؤامرة قريش، وأن الله قد أذن له في الخروج، وحدد له وقت الهجرة قائلًا: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت فيه) (الرحيق المختوم، ص 156، نقلًا عن ابن هشام (1 / 482)، وزاد المعاد (2/ 52) .

دأب الرسل وأهل الإيمان الفرار بدينهم:

- قد أخبر القرآن الكريم أن مَن دأب أعداء الرسل والأنبياء ومَن آمن بهم وبما جاءوا به؛ إجبارهم على مغادرة أرضهم و ديارهم، قال -تعالى- ( ?‌وَقَالَ ‌الَّذِينَ ‌كَفَرُوا ‌لِرُسُلِهِمْ ‌لَنُخْرِجَنَّكُمْ ‌مِنْ ‌أَرْضِنَا ‌أَوْ ‌لَتَعُودُنَّ ‌فِي ‌مِلَّتِنَا ) (إبراهيم: 13) ، وقال -تعالى-: ( ?‌وَلُوطًا ‌إِذْ ‌قَالَ ‌لِقَوْمِهِ ‌أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ . فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (النمل: 54-56) ، وقال -تعالى- فيهم: ( ‌وَمَا ‌كَانَ ‌جَوَابَ ‌قَوْمِهِ ‌إِلَّا ‌أَنْ ‌قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ ) (الأعراف: 82) ، وقال -تعالى- في قصة شعيب -عليه السلام-: ( ‌قَالَ ‌الْمَلَأُ ‌الَّذِينَ ‌اسْتَكْبَرُوا ‌مِنْ ‌قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ ) (الأعراف: 88) .

الصفحة التالية