الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (124) دين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- هو الحنيفية المسلمة، وهو دين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (28)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد قال الله -عز وجل-: ( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
لما ذَمَّ الله -عز وجل- الذين فَرَّقوا دينهم -وقُرئ: "فارقوا دينهم"- وكانوا شيعًا؛ بَيَّن -سبحانه وتعالى- الدِّين الحق الذي بَعَث الله به أنبياءه ورسله، وبَعَث به إبراهيم -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأرسل به رسوله محمدًا -صلى الله عليه وسلم-؛ ليجدد دين الأنبياء ويتم تفصيل ما بدأوه، ويخالف الذين فارقوا دين التوحيد والحنيفية والإسلام من أهل الكتاب، ومن أهل الأوثان، وهم الذين فارقوا دينهم وفرَّقوه كذلك، فإنهم تمسكوا ببعض ما كان منه وتركوا أعظم ما أُمِروا به، وهو الحنيفية، وهي التوحيد والميل إلى الله والإعراض عمَّن سواه؛ فأمر الله نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يقول للناس: إن الله هداه إلى هذا الدِّين، وهو الحنيفية المسلمة.
قال الإمام ابن كثير -رحمه الله-: "يقول الله -تعالى- آمرًا نبيه -صلى الله عليه وسلم- سيدَ المرسلين أن يخبر بما أنعم الله به عليه من الهداية إلى صراطه المستقيم، الذي لا اعوجاج فيه ولا انحراف، دينًا قِيَمًا، أي: قائمًا ثابتًا، ( مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) كقوله: ( وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ) (البقرة: 130) ، وقوله: ( وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ) (الحج: 78) ، وقوله: ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ . شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ . وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ . ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (النحل: 120-123) .
وليس يلزم مِن كونه -عليه السلام- أُمِر باتباع ملة إبراهيم الحنيفية أن يكون إبراهيم أكمل منه فيها؛ لأنه -عليه السلام- قام بها قيامًا عظيمًا، وأُكملِت له إكمالًا تامًّا لم يسبقه أحد إلى هذا الكمال؛ ولهذا كان خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم-، وسيد ولد آدم على الإطلاق، وصاحب المقام المحمود الذي يرهب إليه الخلق حتى الخليل -صلى الله عليه وسلم-.
وقد قال ابن مردويه سنده عن ابن أبزى، عن أبيه قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أصبح قال: ( أَصْبَحْنَا عَلَى مِلَّة الْإِسْلَامِ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَدِينِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَمِلَّةِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ).
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أي الأديان أحب إلى الله؟ قال: ( الْحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ ) (رواه البخاري في الأدب المفرد، وحسنه الشيخ الألباني) .
وقال أحمد أيضًا بسنده: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: وضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذقني على منكبه؛ لأنظر إلى زفن الحبشة ( قلتُ: لعبهم ورقصهم بالحراب)، حتى كنت التي مللتُ، فانصرفتُ عنه.
قال عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال لي عروة: إن عائشة قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ: ( لِتَعْلَمَ يَهودُ أَنَّ فِي دِينِنَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنيفيَّة سَمْحَة )؛ أصل الحديث مخرج في الصحيحين، والزيادة لها شواهد من طرق عِدَّة (وحسنه الشيخ الألباني) " (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرف) .
وفي قوله -سبحانه وتعالى-: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي)، فوائد:
الفائدة الأولى: أن هداية الله -عز وجل- هي سبب الخير الذي هُدِي إليه النبي -عليه الصلاة والسلام- وجاء به، وهدينا نحن بذلك؛ فلا بد من شهود فضل الله -سبحانه وتعالى- بالهداية كما بَيَّن الله -عز وجل- في مواطن مِن كتابه، وأن هذه حال أهل الجنة جميعًا؛ إذا دخلوا الجنة فهم يشهدون نعمة الله عليهم بالهداية، وقالوا: ( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ) (الأعراف: 43) ، وفي هذا إثبات الإيمان بالقَدَر كما تضمنته سورة الأنعام مبينًا في مواضع كثيرة، وباقي سور القرآن.
الفائدة الثانية: في قوله: ( هَدَانِي رَبِّي ) ذِكْرُ اسم الربوبية مضافًا إلى ضمير المتكلِّم المفرد؛ فيه شهود إصلاح الله -عز وجل- الخاص للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وكلُّ عبدٍ يجب عليه أن يشهد مِنَّة الله -عز وجل- عليه، وكل مؤمن يرى أن إصلاح الله -عز وجل- له في أمر الدِّين هو أعظم إصلاح وأعظم نعمة، وإرسال الرسول -صلى الله عليه وسلم- بهذا الدِّين، هو أعظم نعمة.
قال الله -عز وجل-: ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) (المائدة: 3) ؛ ولذلك كان الإسلام الذي بُعِث به النبي -صلى الله عليه وسلم- أكمل الدين؛ قد جَمَع الله -عز وجل- فيه ما يصلح البشرية؛ أفرادًا وجماعات، والنبي -صلى الله عليه وسلم- حين أُمِر أن يخاطب قومه بذلك، كان هو -عليه الصلاة والسلام- في أعظم نعمة من الله في وسط الجاهلية الظلماء الظالمة، التي لا نور فيها؛ فناسب ذلك أن يذكر اسم الربوبية "الرب"، وهو بمعنى المصلح لشأن عباده، مضافًا إلى ضمير المتكلِّم المفرد: "رَبِّي"، ليكون ذلك شاهدًا على نعمة الله -عز وجل- العظيمة التي هي أعظم نعمة على الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونحن تبع لها؛ قال الله -عز وجل-: ( وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (النساء: 113 ) .
