الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (124) دين إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- هو الحنيفية المسلمة، وهو دين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- (28)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الفائدة الثالثة: الصراط المستقيم الذي هو دين الإسلام، وهو الدِّين القّيِّم -وقرأ: "قَيِّمًا وقِيَمًا"، وهما بمعنى واحد، وهما قراءتان متواترتان، بأيتهما قرأ القارئ فمصيب الصواب- مبنيٌّ على العلم النافع والعمل الصالح؛ على صحة الاعتقاد والتصور والفهم، وعلى صحة الإرادة والقصد والعمل؛ خلافًا لصراط المغضوب عليهم، الذين فَقَدوا الإرادة الصحيحة والعمل الصالح رغم معرفتهم بالحق، وغير صراط المغضوب عليهم الذين جَهِلوا الحق بإعراضهم عنه، فلم يعلموه ولم يعملوا به؛ أما الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقد بُعِث بالصراط المستقيم وهدي إليه، كما قال -تعالى-: ( وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى . مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى ) (النجم: 1-2) ؛ فكمَّل الله له كمال الهداية والفهم والعقيدة بنفي الضلال عنه، وكمَّل الله له كمال الإرادة والقصد والعمل بنفي الغواية عنه.
الفائدة الرابعة: الدِّين القَيِّم والدِّين القِيَم، هو المستقيم القائم بالحق، الثابت الذي لا اعوجاج فيه، فالله -عز وجل- أنزل على عبدة الكتاب ولم يجعل له عِوَجًا قَيِّمًا، وهي نعمة الله على عباده المؤمنين؛ أن دينهم لا اعوجاج فيه كسائر الملل المنحرفة عن دين الله -سبحانه وتعالى-، وهو ملة إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- الحنيف المائل إلى الله، المُعْرِض عن غير الله.
الفائدة الخامسة: بيَّن الله -سبحانه وتعالى- أن دِين إبراهيم ودين محمد -صلى الله عليهما وسلم- هو الحنيفية، وكذلك بيَّن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه بُعِث بذلك، وذكر أنه بعثت بالحنيفية السمحة، وذلك هو الفطرة التي فَطَر اللهُ الناسَ عليها، كما قال -عز وجل-: ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (الروم: 30 ) ، والحنيفية قائمة على توحيد الله -عز وجل- وإفراده بالربوبية والربوبية، ومعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله، وحقوقه على العباد، وحبه -عز وجل- والميل إليه وإرادته، وأما ذِكْر السماحة في الحديث الحسن؛ فهو إشارة إلى الأخلاق السهلة، والسهولة التي في التشريعات، فالله -عز وجل- لم يجعل علينا في الدِّين من حَرَج، وشرع لنا أنواعَ التيسير؛ بما في ذلك الإذن باللهو واللعب المباح في أيام العيد، وأيام التشريق، ونحو ذلك.
الفائدة السادسة: قوله -تعالى- عن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-: ( وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (الأنعام: 79) ، فيه تأكيد البراءة من الشرك، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لم يكن مشركًا، ولا يهوديًّا، ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين، والبراءة من الشرك أساس ثبوت لا إله إلا الله؛ وإلا فمَن لم يتبرأ من المشركين، بل عَدَّ الشرك كالإسلام، وسَوَّى بين الملل الكافرة وبين ملة الإسلام؛ فهو لم يعرف ملة الإسلام، وقد قَدَح ذلك فيها، ففي هذا هدم لما يسمونه: "الدين الإبراهيمي الجديد"؛ القائم على مساواة الملل؛ خاصة اليهودية والنصرانية، ثم يتوسَّعون بعد ذلك في البوذية والهندوسية، وغير ذلك، وهي بدعة شركية ضلالة في النار، لا يقول بها مسلمٌ.
والحمد لله على هدايته لعباده المؤمنين، نسأل الله أن يجعلنا منهم.
