شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

هل سيهدد تناقص الأمن الغذائي العالم بالجوع؟

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

عَبْر التاريخ تؤثِّر الحروب والنزاعات العسكرية إقليمية كانت أو محلية -وهي من صنع الدول- سلبيًّا على وتيرة الإنتاج الزراعي، فتتسبب في استفحال أزمة الغذاء، حيث عادة يصاحب الحروب ضعف أو توقف إنتاج المحاصيل الغذائية في مناطق القتال على أقل تقدير، كما تتسبب في تشريد المنتجين، وتقليص سلاسل التوريد وحجبها، وبالتالي تزيد من أعداد الأفواه الجائعة.

أثر أزمة كورونا على الأمن الغذائي العالمي:

لقد أدَّى ظهور وباء كورونا في سبتمبر 2019م وانتشاره في كل أنحاء العالم، وما تبع ذلك من إجراءات حجر وعزل صحي على صعيد العالم بأسره منذ عام 2020 م، إلى إجبار نسبة كبيرة من سكان العالم على ملازمة مساكنهم؛ مما ساهم في تراجع إنتاج الغذاء وتصديره وأدَّى إلى تفاقم أوضاع العالم الاقتصادية والاجتماعية.

وقد ذكر البنك الدولي في عام 2021م أن جائحة كوفيد 19 ارتبطت بارتفاع مفاجئ في أسعار المواد الغذائية التي كانت متوفرة في بعض البلدان، فزادت تكلفة الأطعمة الأساسية، مثل: الأرز والقمح بنسبة 10 % و12% على التوالي.

وكانت تلك الزيادة في الأسعار نتيجة لعوامل، منها:

- توقف حركة التجارة العالمية طوال عامين متتاليين نتيجة انتشار الوباء؛ سواء بالنقل البري أو البحري أو حتى الجوي، مما أدَّى إلى وقف نقل السلع الغذائية بما فيها السلع، والمواد الإستراتيجية: كالقمح والأرز، والبترول والغاز؛ مما فجر أزمة عالمية في الغذاء.

- الاعتماد المتبادل بين دول العالم في توفير السلع الأساسية، وفقدان معظم دول العالم للاكتفاء الذاتي في هذه السلع، مما أدى مع توقف حركة التجارة العالمية إلى انكشاف المخزون الإستراتيجي من هذه السلع في هذه الدول، وبالتالي انخفاض العرض وتزايد الطلب، مما أدَّى إلى ارتفاع الأسعار خلال عامي الأزمة.

- تعرَّض الاقتصاد العالمي لهزة عنيفة أثَّرت على اقتصاديات العالم كله دون استثناء تقريبًا، فتعرض الاقتصاد العالمي لظاهرة التضخم الاقتصادي، وظاهرة الركود نتيجة توقف حركة التجارة العالمية، وتوقف حركة السياحة والسفر برًّا وبحرًا وجوًّا، فلم يعد العالم منفتحًا على بعضه كما كان قبل الجائحة، وأصبحت كل دولة (وكل إقليم) منكفئة على ذاتها إلى حدِّ العزلة تقريبًا.

- ارتفاع تكلفة الشحن بشكل قياسي، فمثلًا: قفز سعر شحن الحاوية 40 قدمًا من الصين إلى الساحل الشرقي للولايات المتحدة من 2000 دولار إلى 14 ألف دولار، وارتفع مؤشر تكلفة شحن الحاوية عالميا من 1446 دولار في إبريل عام 2020 م إلى 8152 دولار مع نهاية مارس 2022م، كما اتجهت أكثر البواخر المتاحة للشحن إلى تفضيل الخطوط والموانئ ذات العائد الأكبر والكفاءة المرتفعة، مما ترتَّب عليه تراجع الطلب على الموانئ ذات الكفاءة الأدنى، وبالتالي عدم انتظام شحنات المحاصيل الزراعية منها وإليها.

أثر الحرب الروسية الأوكرانية على الأمن الغذائي العالمي:

أدَّى اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في 24 فبراير 2022م بتداعياتها -والتي تجاوزت العام- إلى تفاقم جديد للأوضاع الاقتصادية على صعيد العالم ككل، لعوامل وتداعيات أخرى عديدة، منها:

- حدوث هزة عنيفة في تجارة القمح على وجه الخصوص؛ حيث إن روسيا وأوكرانيا ينتجان نحو 50 % من إنتاج القمح في العالم، ويصدران نحو 30% من إجمالي صادرات القمح في العالم، حيث تصدر روسيا نحو 20% من صادرات القمح، وتصدر أوكرانيا نحو 11 %، ومع تأثر -بل وتوقف- تصدير الدولتين للقمح إلى الأماكن المستوردة والمستهلكة للقمح ارتفع سعره بصور غير مسبوقة؛ مما أثَّر على اقتصاديات الدول المستوردة للقمح، والتي اضطرت إلى استيراد القمح من دول وأماكن أخرى بأسعار أعلى بالمقارنة بأسعار القمح من روسيا وأوكرانيا، وبحسب تقرير لمنظمة الأغذية العالمية؛ فإن هناك 29 دولة تستورد 40 % من احتياجاتها من القمح من روسيا وأوكرانيا، وأن هناك 11 دولة تستورد 70 % من احتياجاتها من القمح من البلدين.

- ارتفاع أسعار الزيوت النباتية وأسعار الذرة؛ إذ إن روسيا وأوكرانيا يصدِّران أكثر من 58 % من إجمالي صادرات زيت دوار الشمس العالمية، كما يصدران نحو 14 % من إجمالي صادرات الذرة في العالم.

- التأثير غير المباشر على الإنتاج الزراعي من خلال تأثر إنتاج السماد عالميًّا بتأثر تصدير البوتاسيوم بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث إن روسيا وبلاروسيا مجتمعين يصدران نحو 41 % من إجمالي صادرات البوتاسيوم في العالم، والبوتاسيوم يعد مركبًا رئيسيًّا في إنتاج السماد الذي يضمن إنتاجًا وفيرًا للمحاصيل الزراعية.

- تأثر الصناعات عمومًا -والصناعات الغذائية خصوصًا- في دول الاتحاد الأوروبي نتيجة نقص -أو شبه التوقف- لتصدير الغاز والبترول من روسيا إلى دول الاتحاد الأوروبي في ظل فرض العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا بعد الحرب، وهذا بدوره أدى إلى ارتفاع الأسعار أوروبيًّا وأمريكيًّا وعالميًّا.

- المبادرة الروسية في مواجهة العقوبات الأمريكية والأوروبية بفرض العملة الروسية (الروبل) كشرط لبيع الغاز والبترول الروسي، مما أدَّى إلى ارتفاع قيمة الروبل بعد أن كاد أن يسقط في مواجهة الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي.

وقد نجم عن ذلك ظهور نظام نقدي جديد بعملات وطنية غير الدولار نتيجة التحالف بين روسيا والصين والهند -وسكان هذه الدول الثلاث يبلغ 5 .3 مليار نسمة أي: نحو نصف سكان العالم-، وعدد من الدول الأسيوية الأخرى يتم بمقتضاه تبادل السلع فيما بين هذه الدول بالعملات الوطنية لهذا التجمع، ولهذا تأثيره على قيمة الدولار كعملة دولية لمعظم دول العالم؛ مما يعني اقتصاديًّا حتمية إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي من جهة، وتحول (الروبل) الروسي و(اليوان) الصيني إلى عملات دولية ذات قيمة كبيرة.

الصفحة السابقة الصفحة التالية