شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

هل سيهدد تناقص الأمن الغذائي العالم بالجوع؟

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

- ظهور بوادر انشقاق في الاتحاد الأوروبي نتيجة تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية حيث رفضت بعض دول الاتحاد تطبيق العقوبات المفروضة ضد روسيا لشدة حاجتها إلى الغاز والبترول الروسي، بل ووافقت على استخدام عملة الروبل لتسديد قيمة الغاز والبترول الروسي، مما يؤثر بطبيعة الحال على اقتصاد الاتحاد الأوروبي، وقد يؤدي -على المدى القريب أو البعيد- إلى مزيدٍ من الانشقاق والتفكك التدريجي داخل الاتحاد الأوروبي؛ مما قد يهدد بانهياره.

- ارتفاع أسعار الشحن نتيجة زيادة مبالغ التأمين على البواخر القادمة من البحر الأسود حيث مكان النزاع الروسي الأوكراني وارتفاع تكلفة الشحن في الإمدادات الأخرى البديلة.

تأثر الدول العربية بالحرب الروسية الأوكرانية:

- ذكرت تقديرات وكالات الأمم المتحدة قبل تفشي جائحة كورونا أن 55 مليون نسمة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا -وهي المنطقة التي تضم الدول العربية- يعانون من نقص التغذية، وقد تفاقم الوضع بالطبع بعد جائحة كورونا، ومن ذلك أنه في عام 2020 م كان هناك قرابة 16 مليون يمني يحتاجون إلى مساعدات طارئة، وأكثر من 12 مليون سوري يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وكذلك أكثر من 4 ملايين عراقي يحتاجون إلى مساعدات إنسانية من جراء الصراعات المتقطعة وتقلبات أسعار البترول، مع ارتفاع كبير في معدلات التضخم في لبنان مما يزيد من انعدام الأمن الغذائي.

- ذكر الصندوق الدولي للتنمية الزراعية للأمم المتحدة (إيفاد): أن الحرب في أوكرانيا تسببت في زيادة نقص المحاصيل الأساسية وارتفاع أسعار الغذاء في أجزاء من وسط آسيا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تستورد الدول العربية مجتمعة 60 % من احتياجاتها من الحبوب من روسيا وأوكرانيا؛ إضافة إلى فرنسا ورومانيا، لكن لروسيا وأوكرانيا ثقلهما الدولي في توريد الحبوب؛ نظرًا لأسعار الحبوب المنخفضة في البلدين.

- وتعد مصر أكبر مستورد للقمح في العالم وثاني أكبر مستورد للقمح من روسيا.

- بينما تحصل اليمن على نصف وارداتها من الحبوب من روسيا وأوكرانيا؛ لذا باتت اليمن مع اندلاع الحرب في أوكرانيا مهددة بتأزم الوضع الغذائي هناك أكثر مما هو عليه.

- أما لبنان الذي يمر بأزمة اقتصادية طاحنة منذ سنوات فإنه يستورد نحو 80 % من وارداته من القمح من أوكرانيا.

ولهذا يعد الأمن الغذائي من التحديات الرئيسية التي تواجه العالم العربي، فعلى الرغم من توافر الموارد الطبيعية والبشرية؛ إلا أن القطاع الزراعي لم يحقق حتى الآن المرجو منه لتلبية الطلب المتزايد على الغذاء وتحقيق أمن غذائي عربي واكتفاء ذاتي عربي من شأنه أن يجنب العالم العربي ويلات كثيرة، وهذا يتطلب وبصورة ملحة وعاجلة ضرورة إعادة النظر في الإستراتيجيات والسياسات الزراعية في العالم العربي.

الأمن الغذائي المستدام:

يعد الأمن الغذائي المستدام لأي دولة بمثابة أحد المكونات الإستراتيجية للتنمية الزراعية المستدامة من خلال المشروعات والبرامج التي من شأنها زيادة إنتاجية السلع الغذائية الأساسية من خلال الاستخدام الأمثل للموارد المحلية، والقضاء على كلِّ صور التلف والفقد والتبذير لكل السلع الغذائية ابتداءً من المنتج إلى المستهلك، مع ترشيد الاستهلاك وتحسين شروط التبادل التجاري لتلك السلع ومستلزمات إنتاجها؛ سواء في الاستيراد أو في التصدير، في ظل أكبر قدر ممكن من الاستقلالية وتقليص التبعية والضغوط الخارجية، على أن يكون الهدف النهائي هو توفير السلع الغذائية بكميات كافية ونوعية جيدة لمجموع السكان في مختلف أماكن تواجدهم في الدولة، وبأسعار تتوافق وتتناسب مع مستويات الدخل على أن يكون ذلك بصورة مستمرة ودائمة.

حاجة العالم العربي الماسة للتكامل:

إن مشكلة النقص الغذائي في العالم العربي لا يمكن أن تحل من خلال الاعتماد على الاستيراد الذي أصبح يهدد السيادة الوطنية للدول والاستقلالية، وذلك من خلال وضع وتنفيذ إستراتيجية عربية عاجلة ومحكمة تتخذ من التنمية الزراعية المستدامة هدفًا لها، من خلال زيادة الإنتاج الزراعي كمًّا وكيفًا للاستجابة لمقتضيات زيادة الاستهلاك بزيادة النمو السكاني؛ بالإضافة إلى تحقيق التكامل الاقتصادي الزراعي، وتعديل أنماط الاستهلاك لترشيد الاستهلاك الغذائي، من خلال تكثيف برامج التوعية بذلك، بل وتعديل أذواق المستهلكين وأنماط الاستهلاك في هذا الاتجاه ووفقًا لطبيعة وظروف الإنتاج المحلي؛ هذا مع قصر الاستيراد على المواد الضرورية فقط وغير المتاحة في السوق المحلي، وترشيد الاستيراد عامة والاستيراد الغذائي خاصة.

إن قضية الأمن الغذائي العربي هي قضية مصيرية وإحدى محددات الأمن القومي العربي؛ لذا لا ينبغي تجاهلها أو تركها للظروف المتغيرة والعوامل الخارجية للتحكم فيها، بل يجب التحرك الجاد وبصورة عاجلة لضمان أمن عربي مستدام قوامه القطاع الزراعي من خلال رؤية إستراتيجية واضحة المعالم وخطة شاملة تقوم على أفضل وأنسب الآليات التي تضمن توفير الكثير من المحاصيل الزراعية والموارد الغذائية، وتقديم الدعم اللازم للمزارعين لزيادة وتحسين إنتاجهم وضمان وصوله إلى الأسواق.

وهنا تكمن الفرصة المتاحة للتكامل العربي في مجال الزراعة من خلال الاستفادة من الإمكانيات العربية الكبيرة المتاحة، التي تتمثل في الأراضي الخصبة الشاسعة والمياه المتوافرة كما في السودان، والقوة العاملة الماهرة كما في مصر، ورأس المال الوفير كما في دول الخليج العربي التي بلا شك سترحب بأي استثمارات خارجية إستراتيجية ذات عوائد مجزية، مع توافر الأسمدة المغربية والجزائرية، لتحقيق أكبر تكامل اقتصادي زراعي في العالم يخدم شعوب المنطقة العربية أولًا، ويؤمن لها مستقبلها الزراعي والغذائي، ثم تفيض إن شاءت بعد ذلك على الدول الأخرى بالتصدير إليها.

وهي فرصة أخيرة وواعدة إن لم تتوفر لها الإرادة السياسية وتقديم الخبرات الكافية وإعداد آليات التخطيط والتنفيذ والمتابعة الجادة، فمن حق الأجيال القادمة أن تتهمنا بالتقصير والتفريط في حق أنفسنا وفي حقهم.

الصفحة السابقة الصفحة التالية