هل سيهدد تناقص الأمن الغذائي العالم بالجوع؟
الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فتشير أحدث التقديرات العالمية المتوفرة إلى أن هناك مئات الملايين من الأشخاص يعانون من الجوع على المستوى العالمي.
وقد ساهم في تفاقم ذلك الأمر تأثيرات جائحة فيروس كورونا في عام 2019م، ثم اندلاع الأزمة الأوكرانية في عام 2022م، ومن قبل ذلك كانت الأوضاع الصعبة التي واجهت -وتواجه- العديد من الدول النامية والفقيرة الناتجة من مواطن الضعف البيئية والاقتصادية والأمنية وراء تناقص الأمن؛ لذا فهناك نحو ثُلُث العالم يعاني من نقص (أو انعدام) الأمن الغذائي.
لقد ساهمتِ العوامل المناخية -وبشكل كبير- في أزمات غذائية عبر التاريخ، وعلى رأسها: كانت الفيضانات أو موجات الجفاف، وموجات الحر الشديد، أو البرودة الشديدة، وما ينتج عن ذلك من تراجع في معدلات إنتاج المحاصيل الزراعية فلا تلبي حاجات سكان العالم؛ خاصة مع النمو السريع للسكان، خاصة في دول الجنوب.
ولقد تطور مفهوم الأمن الغذائي العالمي منذ إرساء قواعده في مؤتمر الغذاء والزراعة الذي عقد في عام 1934م في الولايات المتحدة، فكان نص إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 1948م على: حق الإنسان على الحصول على الغذاء، ثم برز مصطلح: (الأمن الغذائي) في عام 1974م في مؤتمر القمة العالمي للأغذية لتوفير إمدادات الغذاء في مقابلة التوسع في الاستهلاك.
وفي مؤتمر الغذاء عام 1996 في روما تم تعريف الأمن الغذائي بأنه: (يتحقق الأمن الغذائي عندما يكون لجميع الناس في جميع الأوقات إمكانية الوصول المادي والاقتصادي إلى ما يكفي من الغذاء الآمن والمحتوي على الاحتياجات الغذائية التي تساعد على استمرار النشاط والحياة الصحية).
وفي عام 2001م اشتمل تعريف الأمن الغذائي على البُعد الاجتماعي بتعريف منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) للأمن الغذائي بأنه: (يتحقق عندما تتاح إمكانية الوصول المادي والاقتصادي والاجتماعي للجميع، وفي جميع الوقت لغذاء كافٍ وآمنٍ ومغذٍّ يساعد في حياة صحية ونشيطة). وعليه يوصف انعدام الأمن الغذائي بأنه: (عدم القدرة الاجتماعية والاقتصادية للفرد على شراء طعام مغذٍّ غير ملوَّث بكميات كافية).
وهناك عوامل عديدة تساهم في انعدام الأمن الغذائي في دول العالم، يدخل فيها: البطالة ونقص فرص العمل، وانخفاض الدخل أو عدم توافر أسواق وأماكن للبيع، أو عدم توافر وسائل الشحن والنقل، أو ارتفاع أسعار المواد الغذائية، أو عدم توافر أجهزة إعداد وطهي الطعام، أو عدم توافر الوقود اللازم لذلك.
وقد أشار التقرير السنوي الذي أعلنته الشبكة العالمية لمكافحة الأزمات الغذائية -وهي عبارة عن تحالف دولي يضم الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وجهات حكومية وغير حكومية لمعالجة الأزمات الغذائية-، والذي يركِّز على البلدان والأقاليم التي تتجاوز فيها الأزمة الغذائية الموارد والقدرات المحلية: أن ما يقارب 193 مليون شخص في 53 دولة عانوا من انعدام الأمن الغذائي الحاد في عام 2021م، وأن منها بلدان وأقاليم في المرحلة الأشد خطرًا من انعدام الأمن الغذائي، والتي تتطلب اتخاذ إجراءات عاجلة لعلاجها منها جنوب مدغشقر، وجنوب السودان وإثيوبيا.
وتوقع التقرير تفاقم الوضع خلال السنوات القادمة بشكل خاص في شمال نيجيريا واليمن والنيجر؛ بسبب الصراعات الداخلية، وانعدام الأمن هناك، وكذلك في الصومال وجنوب السودان وكينيا بسبب مستويات الأمطار الأقل عن المعدل العام لمواسم متتالية، ويزيد من خطر المجاعة عامل إضافي، وهو عدم زيادة المساعدات الإنسانية أو عدم وصولها إلى السكان الأكثر ضعفًا وفقرًا في هذه الدول.
وعلى المستوى العالمي: فرغم التقدم العلمي الهائل، فهناك نقص فادح في الغذاء عالميًّا لأسباب تختلف عما سبق، وهي عوامل تتفاوت بين عالم ميسور لقلة ثرية تعيش في تخمة، وعالم فقير فقرًا نسبيًّا أو فقرًا مدقعًا، ويعيش أفراده على حدِّ الكفاف.
ومن أكبر تحديات الأمن الغذائي في العالم، والتي تعد من أسباب نقص الغذاء عالميًّا ونقص التغذية:
- محدودية الرقعة الزراعية أو انخفاض خصوبتها، ووجود مساحات كبيرة من الصحارى غير صالحة للزراعة؛ بسبب مناخها الجاف، وحرارتها العالية.
- انخفاض منسوب الموارد الطبيعية للماء ومياه الأمطار والمياه الجوفية اللازمة للري.
- ازدياد التصحر عامًا بعد عام، وزحف الرمال على المدن عامة وعلى الأراضي الزراعية خاصة.
- تدهور الغطاء النباتي خاصة بفعل الرعي الجائر.
- تفشي الآفات الزراعية.
- التغيرات المناخية العالمية، ما بين ارتفاع كبير أو انخفاض كبير في درجات الحرارة، وتأثير ذلك على إنتاج المحاصيل الزراعية.
ويختلف مصطلح الأمن الغذائي عن تعريف الجوع المدرج في تقارير الأمم المتحدة عن حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم، فالجوع يعكس انعدام الأمن الغذائي المزمن، وعدم قدرة الشخص على تناول كميات كافية من الغذاء لفترات زمنية طويلة تؤدي إلى تعرض حياته لخطر مؤكد.
أثر الاحتكارات الدولية لإنتاج الغذاء:
مما يزيد الأمر تعقيدًا في أزمة الغذاء العالمي: السياسات الاقتصادية الاحتكارية الدولية المدعومة بتوظيفات مالية ضخمة، ومراكز أبحاث عالية القدرة، واتفاقات دولية لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول والمجتمعات الأكثر احتياجًا للغذاء؛ إذ كل ما تحرص عليه الدول الكبرى هو جني الأرباح الطائلة والسيطرة على الأسواق العالمية، والتحكم في تحديد الأسعار.
ويزيد من التأثير السلبي لذلك: أن غالبية الدول النامية من العالم الثالث تخضع لتلك الاحتكارات العالمية كليًّا أو جزئيًّا لكونها تفتقد القواعد الأساسية المتعلقة بالتنمية والاستفادة من الموارد والثروات الطبيعية التي تمتلكها، ولا تملك الآليات الضرورية للصناعات المرتبطة بالزراعة، ولا تواكب العلوم الحديثة والتكنولوجيا المتطورة المتقدمة في مجالات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية.
أثر الحروب على الأمن الغذائي:
