زيجات النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد عرف تعدد الزوجات في الأمم السابقة قبل ظهور الإسلام بأزمنة طويلة، وعرفه العرب في الجزيرة العربية أيضًا قبل ظهور الإسلام، ثم جاءت أحكام الشريعة الإسلامية لتقييد هذا التعدد المطلق في الزوجات بأربع زوجات لا أكثر، مع وضع ضوابط لهذا التعدد بالقدرة على أعبائه، مع اشتراط العدالة بين الزوجات، فلا يؤثِر الزوجُ زوجةً أو أكثر على الأخريات؛ فيذكر للإسلام إذًا -على خلاف ما يُقَال عنه ويُنسَب إليه- أنه قَيَّد ما كان مطلقًا من تعدد الزوجات، ووضع له ضوابط وشروط.
تعدد الحور العين في الجنة:
من المعلوم أن أهل الجنة يتمتعون بتعدد الزوجات؛ فمنهم مَن له أكثر مِن زوجة مِن الحور العين بلا تقييد، وبلا أي تبعات أو شروط، على ما عليه الحور العين جميعًا من الخِلْقَة الحسنة وحسن العشرة وتعلقهن بأزواجهن في الجنة؛ قال الله -تعالى-: ( إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ . هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ . لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَا يَدَّعُونَ . سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ) (يس: 55-58) ، وقال -تعالى-: ( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (البقرة: 25) ، وقال -تعالى-: ( الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ . ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ ) (الزخرف: 69 - 70) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا . حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا . وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا ) (النبأ: 31-33) ، وقال -تعالى-: ( فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ ) (الرحمن: 56-58) ، وقال -تعالى-: ( فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ . فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ . لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ ) (الرحمن: 70-74) ، وقال -تعالى-: ( وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ ) (ص: 52) ، وقال -تعالى-: ( وَحُورٌ عِينٌ . كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ . جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) (الواقعة: 22-24) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً . فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا . عُرُبًا أَتْرَابًا . لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ) (الواقعة: 35-37) ، وكونهن ( مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ )، و( قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ )؛ لشدة الحياء والتعلُّق بأزواجهن، ( عُرُبًا ): متحببات إلى أزواجهن، ( أَتْرَابًا ): في سنٍّ متساوية أو متقاربة.
التعدد لدى الأنبياء:
وقد اختص القرآن الكريم النبي -صلى الله عليه وسلم- بأحكام خاصة في أمر تعدد الزوجات، فهي من خصوصياته من دون باقي الأمة، و( مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ ) (الأحزاب: 38) ، وهو ما التزم به النبي -صلى الله عليه وسلم- ؛ شأنه -صلى الله عليه وسلم- في ذلك شأن كل الرسل والأنبياء من قبله، كما قال -تعالى- ( الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ) (الأحزاب: 39) .
ومن المعلوم أن هناك أنبياء في أزمان متقدمة تعددت زوجاتهم بلا نكير، لعل مِن أشهرهم: داود وسليمان -عليهما السلام-، وهذا يقر به أهل الكتاب ومذكور في كتبهم، وإن عدوا داود وسليمان -عليهما السلام- من ملوكهم لا من أنبيائهم، ولكن فيه إقرار منهم بوقوع التعدد في أزمانهم.
قال ابن كثير -رحمه الله-: (وقد ذكر غير واحد من السَّلَف: أنه كانت لسليمان من النساء ألف امرأة، سبعمائة بمهور، وثلاثمائة سراري. وقيل العكس: ثلاثمائة حرائر، وسبعمائة من الإماء، وقد كان يطيق من التمتع بالنساء أمرًا عظيمًا جدًّا. وقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ: لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً، تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ، فَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلَّا وَاحِدًا سَاقِطًا أَحَدُ شِقَّيْهِ )، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- : ( لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) (راجع: قصص الأنبياء لابن كثير) .
وهذا التعدد في زوجات الأنبياء داخل في عموم قوله -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ) (الرعد: 38) ، وفي شأن أيوب -عليه السلام- قال -تعالى-: ( وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ) (الأنبياء: 83-84) .
تقييد الإسلام لمطلق التعدد:
