زيجات النبي -صلى الله عليه وسلم- في القرآن الكريم
الشيخ علاء بكر • من نور الوحيين
كان تعدد الزواج معروفًا عند العرب قبل ظهور الإسلام، وجَرَى الأمر على ذلك بين المسلمين أول الإسلام، وجاء التحديد بالمثنى والثلاث والرباع في سورة النساء وهي سورة مدنية، وأحكامها جاءت متأخرة، فكان العمل بها متأخرًا أيضًا؛ خاصة مع مَن أسلم وتحته الكثير من الزوجات؛ إذ كان ذلك معروفًا مشهورًا، ففي الحديث: "أسلم غيلان الثقفي وتحته عشر نسوة في الجاهلية فأسلمن معه، فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يختار منهن أربعة"، رواه أحمد وابن ماجه والترمذي، وأخرجه ابن حبان والحاكم وصححاه، وحكى الترمذي عن البخاري أنه قال: هذا الحديث غير محفوظ، وروى الأثرم عن أحمد أن هذا الحديث ليس بصحيح والعمل عليه، وقال ابن عبد البر: طرقه كلها معلولة، وقد أطال الدارقطني في العلل تخريج طرقه. وفي الباب حديث قيس بن الحارث قال: أسلمت وعندي ثمان نسوة فأتيت رسول الله، فذكرت ذلك له، فقال: "اختر منهن أربعًا"، رواه أبو داود وابن ماجه، وعند الشافعي عن نوفل بن معاوية أنه أسلم وتحته خمس نسوة، فقال له النبي: أمسك أربعًا وفارق الأخرى، وفي إسناده رجل مجهول.
وفي الباب أيضًا عن عروة بن مسعود وصفوان بن أمية عند البيهقي، وقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار: أن مجموع الأحاديث المذكورة في الباب لا تقصر عن رتبة الحسن لغيره، فتنتهض بمجموعها للاحتجاج، وإن كان كل واحد منها لا يخلو من مقال، وذكر أن الإجماع على عدم جواز الزيادة على الأربع، وأن ما ذكر عن الظاهرية ومَن وافقهم أنه يحل للرجل أن يتزوج تسعًا مسبوق بالإجماع، قال في الفتح: اتفق العلماء على أن من خصائصه -صلى الله عليه وسلم- الزيادة على أربع نسوة يجمع بينهن. (راجع نيل الأوطار، للشوكاني) .
وعليه كان تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بالعديد من الزوجات، وقد تزوج أول ما تزوج من خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، وكان عمره في نحو الخامسة والعشرين، وكانت هي أكبر منه سنًّا، وعاش معها حتى أدركته النبوة وهو في الأربعين، ومكث معها بعدها نحو عشر سنين لم يتزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- على خديجة في حياتها غيرها حتى تجاوز الخمسين من العمر، أي: عاش معها ربع قرن من الزمان أو يزيد، كان خلال ذلك في عنفوان شبابه ولديه متسع للزواج، وأمامه الأبكار قبل الثيبات، وهو ميسور الحال، كما قال -تعالى-: ( وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى ) (الضحى: 8) .
وأمر تعدد الزوجات كان شائعًا عند العرب بلا نكير أو ملامة، ثم تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد وفاة خديجة بسودة بنت زمعة -رضي الله عنها- لتقوم برعاية بناته الأربع وشئون بيته، خاصة مع انشغاله بأعباء الدعوة إلى الله -تعالى-، ثم عقد بعدها -وهو ما زال في مكة- على عائشة ابنة صديق عمره الحميم أبي بكر الصديق، وكانت في التاسعة من عمرها، ثم دخل بعائشة بعد الهجرة إلى المدينة.
وتعددت زيجات النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك في ظل إباحة التعدد في أول الأمر بلا قيود؛ منها زيجات قَوَّى به صداقاته وعلاقاته مع المقربين إليه، كزواجه من عائشة ابنة أبي بكر، ومنها زواجه من حفصة ابنة عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما- الجميع، ومنها ما كان تطييبًا للنفوس وتأليفًا للقلوب كزواجه من أم سلمة -رضي الله عنها- بعد وفاة زوجها أبي سلمة -رضي الله عنه-، وكزواجه من صفية بنت حيي بعد غزوة خيبر، وكانت ابنة أحد رؤساء اليهود.
ومنها زواجه من أم حبيبة بنت أبي سفيان -رضي الله عنهما- لما مات زوجها وهي في الحبشة، ومنهن مَن كان مهرها عتقها كجويرية -رضي الله عنها-، التي نالت بزواجها من النبي -صلى الله عليه وسلم- حريتها التي كانت تتطلع إليها وهمت بالمكاتبة من أجلها، وغير ذلك من الأسباب.
زواجه -صلى الله عليه وسلم- من مطلقة دعيه زيد بن حارثة -رضي الله عنه-:
من الأمور المتعلقة بزيجاته -صلى الله عليه وسلم- ما قَدَّره الله -تعالى- من زواجه -صلى الله عليه وسلم- من مطلقة دعيه زيد بن حارثة بعد مفارقته لها وانصرافه عنها، وذلك لإبطال عادة مساواة الابن بالتبني بالابن من الصلب التي كانت مستحكمة عند العرب في ذلك الوقت، وهو ما سجَّله القرآن الكريم في سياق إبطال هذه العادة؛ لما فيها من الظلم البين.
ولهذا الزواج قصة:
فقد كان العرب قبل الإسلام يعاملون الابن بالتبني معاملة الابن من الصلب، ويرتبون على ذلك أحكاماً، منها: تحريم زوجة الدعي (الابن بالتبني) كتحريم زوجة الابن من الصلب تمامًا، فإن فارق الدعي زوجته وطلقها لعدم حاجته إليها حرموا على المتبني له الزواج منها، ويثورون غاية الثورة على مَن يخالف هذه العادة الموروثة وهذا التقليد المتبع، مع ما في مساواة الابن بالتبني بالابن من الصلب في أمور ليست هي من حقه قطعًا، وينتج عنها مخالفات كبيرة؛ إذ إنه يشارك الورثة الحقيقيين في ميراثهم، ويخلو ببنات الرجل المتبني له كأخ لهم، وحقيقة الأمر أنه ليس من محارمهم فليس له أن يخلو بهن أو ينفرد بالسفر معهن، فنزلت الآيات بتحريم التبني وإنهائه، مع جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- القدوة الأولى في التطبيق وتحمل تبعاته.
كان زيد بن حارثة عبدًا للسيدة خديجة -رضي الله عنها-، فوهبته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فأعتقه وصار مولى له، وأعلن النبي -صلى الله عليه وسلم- عند الكعبة تبنيه له وعَلِم الجميع بذلك، وأُطلِق عليه من وقتها: زيد بن محمد، وبتقدير من الله -تعالى- خطب النبي -صلى الله عليه وسلم- زينب بنت جحش لمولاه زيد، فأبت وامتنعت وامتنع أخوها؛ إذ هي هاشمية وزيد مولى (كان عبدًا فأعتق)، وكانت زينب ابنة عمة النبي -صلى الله عليه وسلم- (ابنة أميمة بنت عبد المطلب)، وقد تربت زينب تحت نظر النبي -صلى الله عليه وسلم- ، ويعرفها جيدًا، ومن هنا خطبها لزيد الذي كان بمنزلة الابن له، لكنها رفضته.
