شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

استعينوا بالله واصبروا (2-2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

قد طلب موسى -عليه السلام- المؤازرة بهارون، لكي يسبحا كثيراً قال: (وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا. قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (طه: 29: 36) .

فالاستعانة بالله -عز وجل- تنبع من شهود أن الأمر بيده، من شهود القضاء والقدر، ومرتبة الاستعانة -أي طلب العون من الله- إنما هي استعانة على عبادته -سبحانه وتعالى-، والله -عز وجل- جعل الناس في هذه المنزلة مراتب وأنواعاً، فمنهم من يستعين بالله -سبحانه وتعالى- على قضاء مصالحه الدنيوية فهو يتوكل على الله في أمر الرزق، وفى أمر الأولاد، وفى أمر الوظيفة، وفى أمر العمل وغير ذلك، وهذا وإن كان حسناً إلا أنه ليس فقط هو المطلوب.

وكثير من الناس يستعين بالله -عز وجل- ويدعوه لنيل المحرم والعياذ بالله، فهو يتوجه إلى الله وليس في باله أن يطيع الله -عز وجل-، ربما وجدت من يخرج لأكل الربا يقول توكلت على الله ونجده فعلاً يسأل الله التوفيق في هذا العمل، لأنه حصل له الجهل المركب والعياذ بالله، ولم يعبأ بأن يبحث عن الشرع، ولم يتعلم شرع الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك ظن الجاهل أنه يتوكل على الله لنيل معصية وربما حصل له ذلك.

وإبليس لم يتوجه لغير الله لطلب المد في عمره، قال: (رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) (ص: 79) ، من سأل؟ ربنا -سبحانه وتعالى-، وأعطاه الله ما سأل والعياذ بالله، لماذا؟ لكي يستعين بهذا العمر الطويل على إضلال الناس، على محاربة الله، يا للعجب!! أيظن أن الله لا يدرى ولا يعلم ما في نفسه حتى كتم هذا الأمر إلى أن تأكد أن الله أنظره فقال: (فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (ص:82-83) ، لكنها نوعية عجيبة، ونوعية من المخلوقات غريبة، تستعين بالله على الكفر به ومعاداته ومعصيته وتطلب منه وتستعين به على ذلك، نوعية غريبة، لكنها موجودة بالفعل ولا تسغربها.

وأعلى الناس قدراً في أمر الاستعانة هو من يستعين بالله على عبادته... على طاعته... لأنه يعلم أنه لا يقدر على الطاعة إلا بتوفيق الله -سبحانه وتعالى-.

فالله -سبحانه وتعالى- يحب من يذكره فهذا الأمر الأول: (اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ) (الأعراف:128) ، أما الأمر الثاني: (وَاصْبِرُوا) (الأعراف:128) .

فتأمل معي في استفسار من يحاربون المسلمين بالفعل في كل المشارق والمغارب ألا يصيبهم من الجراح والقتل والمتاعب والشقاء؟ يصيبهم كثيراً وأمراض وبلاء، ومع ذلك هم على ما هم عليه صابرون، فهناك من يصيبه ذلك وهو في إثم عاقبه، وهناك من تسلب صحته جزاء إفراطه في ظلم الناس ويبدل بها ضعفاً.

أخ من الأخوة بالأمس يحكى لي يقول: أجل كان من شهرين أو من شهر ونصف في كمال القوة والعافية، وكان من عادته أن يظلم كثيراً من الناس، فيقول: مررت به الأسبوع الماضي وقد أصيب بورم -يعنى سرطاني- فأخذت حنجرته كلها وأصبح في هزال شديد، من شهر ونصف فقط.

وهناك من يجيء له الألم بسبب طاعة الله -سبحانه وتعالى- وهذا في الحقيقة ألم له مرارة، ولكن حلاوة الطاعة أذابته.

نقول أن أنواع الصبر الثلاثة: الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على أقدار الله المؤلمة، مجتمعة فيمن يطيع الله -سبحانه وتعالى- في وقت الشدة، لماذا؟ لأنك أثناء الشدة تحتاج إلى صبر شديد، الكل يريد أن يبعدك عن الطاعة، ابعد عن هذه الطاعة كي تسير حياتك بسهولة، لا والله الحياة لا تسير بسهولة بغير طاعة، وإن ظن الناس أنهم يعيشون حياة سهلة، فانظر والله على متاعب الناس الذين ابتعدوا عن الإسلام وابتعدوا عن الدين، هل يعيشون حياة سهلة أم ضنكاً؟!

والله إنها حياة ضنكٍ وشقاء بأنواعه، حتى الأغنياء وحتى الملوك والرؤساء والكبراء، وحتى السادة المبرزون المشهورون فإن حياة الضنك تحيط بهم كما توعد الله فقال: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) (طه:123-126) ، ولو لم يكونوا في ضنك فلماذا يشربون الخمر؟! ولماذا يستعملون المخدرات؟! ولماذا يريدون أن يسيحوا في الأرض وينطلقوا بحثاً عن اللذات؟ لو أن الإنسان كان سعيداًً فلماذا يبحث عن أسباب أقوى للمتعة؟ لماذا يغيب عقله؟!

ثم ننتقل بعد ذلك إلى مقام الصبر، الصبر بأنواعه الثلاثة: وهى مجتمعة في من يطيع الله، في فترات الشدة والمحن، هي مجتمعة بالفعل، لأن الصبر صبر على الطاعات: وهو أعلى أنواع الصبر، وصبر عن المعاصي: وهو حبس النفس عنها، وصبر على أقدار الله المؤلمة، والإنسان تصيبه أشياء مؤلمة. على أي الأحوال لا تخلو الحياة من ألم، منذ نزل آدم -عليه السلام- والإنسان يشقى، الدنيا فيها ضنك، لا بد من وجود ألم في الدنيا، ولكن من الناس من يجرى عليه الألم وهو في معصية الله، وهناك من يجرى عليه الألم بغير طاعة ولا معصية، بل مصيبة تصيبه، وهناك من يجري عليه الألم من الكفار وهم في الكفر -والعياذ بالله-.

أما الصبر عن المعاصي فالكل يدعوك إلى المعاصي، وانتشار الفساد يجعل المعصية سهلة، يجعل المعاصي في متناول كل إنسان، إذا أراد شاب مثلاً: أن ينال من فتاة شيئاً أيصعب عليه ذلك في وسط هذا الكم الهائل من التسيب والانحلال والإباحية؟ ولذلك فالصبر في هذا المقام أعظم من الصبر عن هذه المعصية في مجتمع مسلم كل الفتيات فيه محجبات، والرجال فيه -رجال- يمنعون نساءهم من الاختلاط المحرم الفاسد، ويمنعون بناتهم وأخوتهم ذلك، المجتمع كله يذم من يزني ويذم من ينظر ويذم من يعاكس، ويتوعده بالعقاب، أي الصبرين أعظم؟!

الصفحة السابقة الصفحة التالية