شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

استعينوا بالله واصبروا (2-2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

مع ما يوجد في المجتمع المسلم وهو مأمور بالصبر وكان ثوابه عظيماً، فكيف في وسط الفساد المنتشر في الأرض المبثوث في كل مكان، الذي يسهل معه أن ينال ما يريد إذا لم يكن يتقي الله -سبحانه وتعالى-.

أما الصبر على أقدار الله المؤلمة فإنما يصيبه بسبب طاعته، لأنه يتوعد ويخوف (وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) (الزمر:36) ، وقد يصيبه في ذلك فيحتسب عند الله -سبحانه وتعالى-، ويصبر ويكون بذلك قد حصل أعظم أنواع الصبر.

استعينوا بالله واصبروا: هذه الكلمة الخالدة التي يحتاجها كل مسلم عبر التاريخ ثم يورث الله -سبحانه وتعالى- الأرض لعباده المتقين، قال -تعالى-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24) .

اليقين بوعد الله -سبحانه وتعالى- والصبر على دينه في فترات الشدائد، كل ذلك من أعظم الواجبات، عندما يقال لك ما قيل للرسل من قبل، عندما تقبل على الالتزام بطاعة الله -سبحانه وتعالى- يكون اليقين بوعد الله من أعظم مقامات العبادة، والإيمان أن توقن أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، توقن أن العاقبة للمتقين، لا تغتر بما يرى من بداية: ترى فيها الموازين لصالح الكفر، وترى القوى في العالم بأسره بأيدي المشركين، والله إن ذلك اختبار لك لكي تستحضر ما أخبر الله -سبحانه وتعالى- به من أن المؤمنين هم المنتصرون، وتتذكر ذلك لتزداد يقيناً بوعد الله، هذه الآية الكريمة من المبشرات: (إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) (الأعراف:128) .

قال -عز وجل- في معنى هذه الآية آيات كثيرة لكي نستيقن بوعد الله -سبحانه وتعالى-، قال -عز وجل-: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) (الأنبياء:105- 106) ، (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ) أي في جنس الكتب المنزلة على الأنبياء وهي: الكتب التي تزبر -أي تكتب- (مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ) أي من بعد كتابه ذلك في اللوح المحفوظ (أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) ، العبادة والصلاح وصف الوارثين للأرض.

إذاً حقق الصلاح واجتهد في العبودية لكي تكون ممن يرث الأرض كما قال بعدها: (إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ) ، إذاً نحتاج في هذا المقام إلى الاجتهاد في العبادة، وإلى أن نكثر من الصلاة والصيام والدعاء والتضرع إلى الله -سبحانه وتعالى- وخصوصاً إذا خوفت كما قال -عز وجل-: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:173- 175) .

لذلك أنت تحتاج إلى تتبع رضوان الله، افعل ما يرضي الله... أكثر من الطاعة... أكثر من العبادة، ومن الذكر ومن الدعاء... فإن ذلك من أعظم ما يعينك على الثبات على دين الله -سبحانه وتعالى.

ومن أعظم ما يحتاج إليه المؤمن أن يكون مع إخوانه في الله، يوثق علاقته بهم، ويتعاون معهم على نصرة الدين وإقامة شرع الله، ولا يبتعد عنهم.

فمجتمعنا الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام ينجو بأفراده وجماعاته لا يعبأ بالفتن، ولا تنال منه المحن، ولا تستميله الشهوات، ولا تضله الشبهات، ابتَعد شيئاً فشيئاً عن حقيقة الالتزام بدين الله ولم يبق منه على الخير إلا بقية قليلة لاذوا بقوارب النجاة وتحصنوا بالدعوة على الله وملازمة المساجد ومصاحبة أهل الخير ممن يدعون إلى إقامة دين الله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بحكمة وبصيرة، وهؤلاء هم الأحياء -أحياء القلوب- الذين نجوا بسفينة السنة، وفطنوا لشراك البدعة فأفلتوا منها.

نحن كنا كركاب سفينة كبيرة، ولكنها غرقت وبقيت لنا قوارب نجاة يجتمع فيها بعض من يلتمس النجاة وأسماك القرش في البحر المتلاطم الأمواج تحيط بقوارب النجاة من كل جانب وتنهش في جوانبه، وهى ليست كالسفينة شديدة محكمة، بل هي مطاطية، أسماك القرش ربما تأخذها من جوانبه وتفزع كل من فيها، ومع ذلك أتظنون عاقلاً يقول: أسماك القرش تحيط بالقارب وأنا أريد إنقاذ نفسي، سوف ألقي بنفسي في البحر، أيكون عاقلاً هذا الذي يلقي بنفسه وسط الأسماك ويترك قارب النجاة الوحيد؟؟!!

لا شك أنه هالك قبلهم، وأسماك القرش تفعل ذلك لكي يلقي الناس أنفسهم إليها لكي يأكلوهم أكلاً، وأما العاقل فهو يسعى إلى سد ثغرات القارب ونزح المياه التي تأتي عليه من البحر. لا شك أن أمواج الفتن عالية ورياحها عاتية والأخطار محدقة ونذر الهلاك كثيرة.

لكن لا بد أن نتعاون على حفظ هذا القارب، المجتمع الذي كان في يوم من الأيام مجتمعاً مثالياً يعيش الناس فيه بالإسلام وللإسلام منذ مئات السنين غرق تدريجياً إلى أن صار بعيداً عن حقيقة الالتزام بالإسلام، وبقيت فيه قوارب النجاة وهى من يدعو إلى الله -عز وجل- ويلتزم من أهل المساجد ومن أهل الخير وممن يدعون إلى إقامة دين الله، فهذه قوارب النجاة، أما أسماك القرش حولك -وهي أهل الفتن- الذين يقولون لك:

"ابتعد عن هؤلاء لكي تطمئن"، لماذا هم المقصودون؟ لأنهم هم الباقون لأن الآخرين قد غرقوا، لا يريد أحد أن يبحث عن هؤلاء الموتى وإنما يريدون هؤلاء الأحياء -أحياء القلوب- لذلك الخطر كل الخطر أن تذهب بنفسك إلى أمواج الفتن، وأن تبتعد عن أسباب طاعة الله -سبحانه وتعالى-.

هذه أمور لا بد أن تكون على بينة منها لكي تثبت على دين الله -سبحانه وتعالى-، وكي تستمر على طريق الهداية رغم كل أنواع المعوقات والعقبات التي تموج بنا في الطريق.

الصفحة السابقة الصفحة التالية