شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

استعينوا بالله واصبروا (2-2)

الشيخ ياسر برهامي • التزكية

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،

أمر هام ينبغي أن نتفكر فيه، هل الذي جعله الله -سبحانه وتعالى- ينصر الدين في وسط إشراقه وانتصاره أفضل، أمّن جعله الله -سبحانه وتعالى- ينصر الدين في وسط إظلام الدنيا وإدبارها وابتعاد الناس عن الدين؟؟ لماذا سبق السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار؟ لأنهم التزموا حينما كانت الدنيا ظلاماً. لأنهم التزموا حينما كان أكثر أهل الأرض ليسوا على الإيمان ولا يعمل أحد لأجل إعلاء كلمة الله في الأرض، وإنما بقي على دين الأنبياء قلة، لكنها اكتفت أن تعبد الله في الصوامع والبيع.

انظر... شرف عظيم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، لأنهم سبقوا إلى الله في الدلجة، عندما كانت الدنيا مظلمة، فسبقهم لا يصل إليه أحد، لأن الله -سبحانه وتعالى- جعلهم هم على الإسلام في وقت كانت الأرض فيه كلها ظلام، وكل من شابههم في جزء من صفاتهم كان له نصيب من ثوابهم.

فعندما يتسمى الناس بالإسلام -والحمد لله على ذلك- دون أن يعمل به أكثرهم أو من أجله، ثم يجعلك الله -سبحانه وتعالى- تلتزم به وتدعو إليه في هذه الظروف، فذلك لأن الله ـسبحانه وتعالى- اجتباك لذلك واصطفاك وشرفك بأن تعمل للدين في أحلك الظروف، فإذا شاهدت قضاء الله وقدره وشهدت منته وفضله لم تعجب بنفسك، ولم تصب بالكبر والغرور، ولم تنسب الفضل إلى نفس جاهلة ظالمة، بل إن الله -سبحانه وتعالى- هو الذي منَّ عليك بالإسلام والإيمان، إن كنت صادقاً فلا تمنّ على أحد بطاعتك وعملك وإسلامك (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (الحجرات:17) .

فإذا شهدت قضاء الله وقدره فيمن يخالف الإسلام، وشهدت قضاء الله وقدره فيمن يطيع الله -سبحانه وتعالى-، وتعبدت الله بمقتضى ذلك من شهود فضله وشهود ملكه، وأنه -سبحانه وتعالى- هو الذي بيده الأمر كله، وله الحمد كله وبيده الخير كله -سبحانه وتعالى-، وإذا علمت أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وشهدت ذلك شكرت نعمة الله -سبحانه وتعالى- عليك.

ثم هذا الشهود لقضاء الله وقدره وملكه وسلطانه وربوبيته هو الذي يجعلك تنتقل إلى مشهد الاستعانة، حيث طلب العون من الله وحده لا شريك له، وهو من أشرف المقامات في مراتب العبودية، وهى إحدى العبادات، ولكن ذكرت هذه العبادة مؤكدة بعد دخولها في عموم (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) فأمرنا الله -سبحانه وتعالى- أن نقول: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) مع أن الاستعانة عبادة لله -سبحانه وتعالى-؛ لأنه بدونها لا تتم العبادة، لأنه بدون الاستعانة بالله وبدون توفيقه لا تكون العبودية له -سبحانه-، استعينوا بالله... ومن أين تحصل هذه الاستعانة؟ من شهود أن الأمر بيد الله، وأن الملك ملكه، وأن الخلق كلهم نواصيهم بيده.

اسمع إلى قول المستعين حقاً بالله -سبحانه وتعالى- من أنبياء الله -عز وجل- وكيف كان موقفهم ممن يمكرون بهم؟ اسمع إلى قول الله -عز وجل- عن نوح -عليه السلام- فيما ذكر عنه فيما قال لقومه أنه قال: (يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) (يونس:71)، لا يقول لهم: كفوا عنى أو ابتعدوا عنى، ولا تؤذوني، وإنما يقول لهم: اجمعوا كل ما عندكم أنتم وشركاؤكم وكيدوني بكل ما تقدرون عليه من كيد ولا تؤخروني لحظة، فاجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن عليكم أمركم غمة، لا تترددوا (ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلاَ تُنْظِرُونِ) لأنه توكل على الله -عز وجل، سبحانه وتعالى-.

وقال هود -عليه السلام- مثلها حين قال قومه له: (إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ) (هود:54-55) ، (كِيدُونِي) أي اجتمعوا على كيدي (ثُمَّ لاَ تُنْظِرُونِ) أي لا تؤخروني ولا تعطوني مهلة، لماذا؟ (إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (هود:56) ، سبحان الله... هذا القدر العظيم من التوكل على الله والاستعانة بالله جعله يحثهم -استهتاراً بمكرهم واستهانة بملكهم وتخطيطهم- يحثهم على أن يكيدوا له وأن يجتمعوا على ذلك، لأنه متوكل على من خلق كلهم نواصيهم بيده (مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلاَّ هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا) .

كان يدعو النبي -صلى الله عليه وسلم- بمثل ذلك كل ليلة، عندما يقول قبل أن ينام: (اللهم رب السموات ورب الأرض ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والفرقان أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها) (رواه مسلم) ، -وفى الرواية الأخرى: (أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عنى الدين وأغنني من الفقر) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وبذلك نقول أن الاستعانة تحصل في قلب العبد إذا استشعر أن الله هو الذي بيده نواصي الخلق، أمورهم كلها بيده، وكذلك إذا استحضر أنه ملك لله يفعل به ما يريد، وهو مطلوب منه أن يفعل ما أمر به من العبادة.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: (والله إني لأحبك فلا تدعن في دبر كل صلاة أن تقول اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) (رواه أبو داود، وصححه الألباني) ، فأنت تستعين بالله على أن تظل ثابتاً وعلى أن تظل عابداً شاكراً (أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك) .

الصفحة التالية