الكبائر (27) نشوز الزوجة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضمن الله لمن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- نشوز الزوجة من الذنوب المفسدة للدنيا والدِّين، وهو من كفران نعمة رب العالمين، وهو من الكبائر الموبقات يوم الدين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ) (متفق عليه) .
- المقصود بالنشوز: النُّشوز لغة معناه: الارتفاع والعلو، ومنه: "سمِّيَت المرأة ناشزًا، إذا علَت وارتفعت وتكبَّرَت على زوجها" (تفسير المنار) ، والنشوز في اصطلاح الشرع: هو امتِناع المرأة من أداء حقِّ الزوج، أو عصيانه، أو إساءة العشرة معه، فكلُّ امرأة صدر منها هذا السلوك، أو تخلَّقَت به، فهي امرأة ناشز، ما لم تقلع عن ذلك، أو تصلح خلقها، قال ابن قدامة: "معنى النشوز: معصية الزوج فيما فَرَض الله عليها من طاعته" (المغني) .
وجوب طاعة المرأة زوجها بالمعروف:
- عَظَّم الإسلام من شأن الحياة الزوجية، والمحافظة على بقائها، والترهيب من نقضها وهدمها: قال -تعالى-: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) (الروم: 21) ، وقال: ( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) (النساء: 19) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ علَى الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَراياهُ، فأدْناهُمْ منه مَنْزِلَةً أعْظَمُهُمْ فِتْنَةً، يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: فَعَلْتُ كَذا وكَذا، فيَقولُ: ما صَنَعْتَ شيئًا، قالَ ثُمَّ يَجِيءُ أحَدُهُمْ فيَقولُ: ما تَرَكْتُهُ حتَّى فَرَّقْتُ بيْنَهُ وبيْنَ امْرَأَتِهِ، قالَ: فيُدْنِيهِ منه ويقولُ: نِعْمَ أنْتَ ).
- وأوجب الإسلام على المرأة طاعة زوجها بالمعروف؛ لتتحقَّق لهما المصالح المقصودة من عقد الزواج، ولما لهذه الطاعة من أهميَّة في الحفاظ على الأسرة واستقرارها وسعادتها: قال -تعالى-: ( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ) (النساء: 34) . قال ابن كثير: "( قَانِتَاتٌ ): قال ابن عباس وغير واحد: يعني مطيعات لأزواجهنَّ. وقال النبي -صلى الله عليه وسلم: ( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا، قِيلَ لَهَا: ادخلي الجنة من أي الأبواب شِئْتِ ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني) .
- وبيَّن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن طاعة الزوج بالمعروف علامة على صلاح المرأة، وسبيل للنجاة من النار، والفوز بالجنة: فعن الحصين بن محصن أن عمَّة له أتَت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حاجةٍ، ففرغَت من حاجتها، فقال لها النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ ) قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: ( كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ ) قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: ( فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ ) (رواه أحمد، وصححه الألباني) ، و سُئِلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ( الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا، وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ، وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا، وَلَا فِي مَالِهِ ) (رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني) .
- وعظَّم النبي -صلى الله عليه وسلم- من حق الزوج، وعدم مخالفته ولو كان ذلك في طاعة مستحبة تتعارض مع حقوقه؛ فكيف بالمباح؟: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ، وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ ) (متفق عليه) ، وقال -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
لماذا يعد النشوز من الكبائر؟
- لأنَّ النشوز بكفران العشير والإحسان سبب لدخول النار: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أُرِيتُ النَّارَ فَإِذَا أَكْثَرُ أَهْلِهَا النِّسَاءُ؛ يَكْفُرْنَ )، قِيلَ: أَيَكْفُرْنَ بِاللَّهِ؟ قَالَ: ( يَكْفُرْنَ العَشِيرَ، وَيَكْفُرْنَ الإِحْسَانَ، لَوْ أَحْسَنْتَ إِلَى إِحْدَاهُنَّ الدَّهْرَ، ثُمَّ رَأَتْ مِنْكَ شَيْئًا، قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ مِنْكَ خَيْرًا قَطُّ ) (متفق عليه) . قال النووي -رحمه الله-: "فيه: أنَّ كفرانَ العَشِيرِ والإحسانِ من الكبائرِ؛ فإنَّ التَّوَعُّدَ بالنَّارِ من علامةِ كونِ المعصيةِ كبيرةً" (شرح النووي على صحيح مسلم) .
- لأنَّ النشوز بالامتناع عن الفراش سبب في لعن الملائكة: قَالَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا، لَعَنَتْهَا المَلاَئِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ) (متفق عليه) .
