شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (129) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (4)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقال الله -تعالى-: (‌ مَا ‌كَانَ ‌لِلنَّبِيِّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌أَنْ ‌يَسْتَغْفِرُوا ‌لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113-114) .

في الآيات فوائد:

الأولى: إن من أعظم معاني البراء من الكفار تكفيرهم، واعتقاد هلاكهم وخلودهم في النار أبد الآبدين، طالما ماتوا على الشرك بعد بلوغ الحجة الرسالية، قال الله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ ‌لَا ‌يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء: 48) ، وقال -عز وجل-: ( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ ‌مَنْ ‌يُشْرِكْ ‌بِاللَّهِ ‌فَقَدْ ‌حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ) (المائدة: 72) .

والآيات في هذا أكثر مِن أن نحصيها في هذا الموضع، وهذا الاعتقاد يستلزم قطعًا عدم الاستغفار لهم والترحم عليهم، وهذه المسألة قطعية مجمع عليها، لا نزاع فيها بين أهل العلم، وإنما خالف في ذلك مبتدعة زماننا، وبعضهم بدعته مكفِّرة؛ إذ يعتقدون الإيمان لأهل الكتاب ودخولهم الجنة، ووصفهم بالشهادة، وبعضهم يزعم أنهم ممَّن أحيا الله -عز وجل- بهم الدِّين! وبعضهم يعتقد ذلك في غيرهم مِن: الهندوس، والبوذيين، حتى الملاحدة؛ رغم معرفتهم بتكذيبهم للرسول -صلى الله عليه وسلم-!

وهذا قادح في أصل الشهادتين؛ إذ إن تجويز عبادة غير الله: كالمسيح وأمه، أو عزير؛ فضلًا عن بوذا، أو براهما، أو البقرة، أو الأوثان، أو الإلحاد، أو عبادة الشيطان؛ فذلك كله قدح في شهادة: "أن لا إله إلا الله"، وتجويز وتصحيح ملة مَن كَذَّب الرسول -صلى الله عليه وسلم- قادح في شهادة: "أن محمدًا رسول الله"، وهما أعظم انتشارًا والعلم بهما حاصل للمسلمين والكفار، فلا حاجة لإقامة الحجة على الشهادتين إذ هما أصل الدِّين، وانتشارهما أعظم من انتشار الآيات، وبفقدهما يُفقَد أصل الإيمان بلا نزاع بين المسلمين، بل حتى لو كان معذورًا في كونه لم تبلغة الحجة الرسالية فلم يشهد: "أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله"؛ فليس معه أصل الدِّين، بل يكون ممتحنًا يوم القيامة، أما أن تبلغه الحجة الرسالية ويبلغه لا إله إلا الله، وتبلغه بعثة الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيكذِّب أو يشك أو يأبى؛ فإن ذلك متفقٌّ على كفره بين المسلمين، لا نزاع بينهم في ذلك، بل المُنَازِع في ذلك ليس بمسلم.

وأما مَن يجوِّز الترحم أو الاستغفار دون أن يحكم بإيمانهم، ولكن إما مجاملة ومداهنة في الدِّين، وقد قال -تعالى-: ( وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ) (لقلم: 9) ، وإما بدعوى شمول الرحمة بالنبي -صلى الله عليه وسلم- للعالمين، كما قال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌أَرْسَلْنَاكَ ‌إِلَّا ‌رَحْمَةً ‌لِلْعَالَمِينَ ) (الأنبياء: 107) ، وهذا والله العجب! فالله أرسله رحمة للعالمين بلا شك، فمَن قَبِل هذه الرحمة رُحِم، وأما مَن رَدَّها وكَذَّب بها وأبى أن يقبلها؛ فكيف يكون مرحومًا؟!

أما قوله -تعالى-: ( ‌وَرَحْمَتِي ‌وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) (الأعراف: 156-157)

وقد بَيَّن الله -سبحانه وتعالى- لمَن يكتب رحمته في الآخرة؛ فكيف يُكتَم نصف الآية ويُستدَل بنصفها الأول دون استكمالها؟! فهذا أشبه بمَن يقول: إن المصلين معذبون محتجًا بقوله -تعالى-: ( ‌فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ) (الماعون: 4) ، ولا يقرأ: ( الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ . الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ . وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ) (الماعون: 5-7) .

وقد قرأتُ عجبًا لبعضهم؛ يجوز الترحم، ويمنع من الاستغفار، وهو مِن أعظم الجهل؛ لأن الاستغفار طلب المغفرة، وهي ستر الذنب وعدم المعاقبة عليه، فإذا مُنِع من الاستغفار فالمنع من الرحمة أشد؛ لأنها تُثبِت حصول الخير والنعيم، وليس فقط عدم العقوبة.

قال النووي -رحمه الله- في كتاب "الأذكار": "يحرمُ أن يُدعى بالمغفرة ونحوها لمَن مات كافرًا، قال الله -تعالى-: (‌ مَا ‌كَانَ ‌لِلنَّبِيِّ ‌وَالَّذِينَ ‌آمَنُوا ‌أَنْ ‌يَسْتَغْفِرُوا ‌لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ )، وقد جاء الحديث بمعناهُ، والمسلمون مجموعون عليه".

وقال أيضًا في كتاب المجموع شرح المهذب (5 /144): "وأما الصلاة على الكافر والدعاء له بالمغفرة، فحرام بنصِّ القرآن والإجماع".

الصفحة التالية