الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (129) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (4)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وقال شيخ الإسلام ابن تيمة -رحمه الله-: "وأما الشفاعة والدعاء، فانتفاع العباد به موقوف على شروط وله موانع؛ فالشفاعة للكفار بالنجاة من النار والاستغفار لهم، مع موتهم على الكفر لا تنفعهم، ولو كان الشفيع أعظم الشفعاء جاهًا، فلا شفيع أعظم من محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- ثم الخليل إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-، وقد دعا الخليل إبراهيم لأبيه واستغفر له، كما قال -تعالى- عنه: ( رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ) (إبراهيم: 41) ، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أراد أن يستغفر لأبي طالب اقتداءً بإبراهيم، وأراد بعض المسلمين أن يستغفر لبعض أقاربه؛ فأنزل الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) (التوبة: 113) ، ثم ذَكَر الله عذر إبراهيم -عليه السلام- فقال: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ . وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) (التوبة: 114-115) ( قلتُ: الظاهر من الأدلة: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- استغفر لعمه أبي طالب؛ لأنه قال: ( أَمَا وَاللهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) (متفق عليه) ، ونزول آية النهي متأخر عن وفاة أبي طالب بسنوات، فإن آية النهي عن الاستغفار مدنية في سورة التوبة، وهي من آخر ما نزل بالمدينة، وأبو طالب مات بمكة).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، بعد أن ذكر حديث أبي هريرة في صحيح البخاري عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( يَلْقَى إِبْرَاهِيمُ أَبَاهُ آزَرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَلَى وَجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وَغَبَرَةٌ... ) الحديث، وقد مضى ذكره-، قال: فهذا لما مات مشركًا لم ينفعه استغفار إبراهيم مع عِظَم جاهه وقَدْرِه، وقد قال -تعالى- للمؤمنين: ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ . رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) (الممتحنة: 4-5) ؛ فقد أمر الله -تعالى- المؤمنين بأن يتأسوا بإبراهيم ومَن اتبعه، إلا في قول إبراهيم لأبيه: ( لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ )، فإن الله لا يغفر أن يشرك به.
وكذلك سيد الشفعاء محمد -صلى الله عليه وسلم-، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة: أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ( اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأُمِّي فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وَاسْتَأْذَنْتُهُ أَنْ أَزُورَ قَبْرَهَا، فَأَذِنَ لِي )" (مجموع الفتاوى) .
وقال أيضًا شيخ الإسلام: "فإن الاستغفار للكفار لا يجوز بالكتاب والسنة والإجماع" (مجموع الفتاوى) .
