شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فمما لا شك فيه أن انتشار البدع بين الناس في مسائل الاعتقاد وفي العبادات من أسباب وقوع الاختلاف في الأمة وبعدها عن تعاليم دينها، وبالتالي إصابتها بالفرقة والضعف والوهن في الدنيا، ووقوعها في الاعتقادات الضالة ورد الأعمال الصالحة والعبادات، واستحقاق الوعيد بدخول النار في الآخرة؛ لذا جاءت الأحاديث النبوية الشريفة العديدة في التحذير الشديد من الوقوع في الابتداع في الدِّين، والتنفير من البدع وأهلها.

وعلى هذا جَرَى عمل أهل السنة والجماعة والسلف الصالح ومَن سار على دربهم جيلًا بعد جيلٍ من سرعة الرصد للبدع والحزم في مواجهتها والتعامل معها، والتحذير منها، فعن أبي الدرداء أنه قال: "لو خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عليكم ما عرف شيئًا مما كان عليه هو وأصحابه إلا الصلاة"؛ قال الأوزاعي: "كيف لو كان اليوم؟"، قال عيسى بن يونس: "فكيف لو أدرك الأوزاعي هذا الزمان؟!".

وعن أم الدرداء قالت: "دخل أبو الدرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئًا من أمر محمدٍ إلا أنهم يصلون جميعًا"، وعن أنس بن مالك قال: "ما أعرف منكم ما كنت أعهده على عهد رسول الله غير قولكم: لا إله إلا الله، قلنا: بلى يا أبا حمزة؟ قال: قد صليتم حتى تغرب الشمس؛ أفكانت تلك صلاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟!"، وعن أنس قال: "لو أن رجلًا أدرك السلف الأول ثم بُعِث اليوم ما عرف من الإسلام شيئًا، ووضع يده على خده، ثم قال: إلا هذه الصلاة"، وعن ميمون بن مهران قال: "لو أن رجلًا أنشر فيكم من السَّلَف ما عرف غير هذه القبلة"، وعن سهل بن مالك عن أبيه قال: "ما أعرف شيئًا مما أدركت عليه الناس إلا النداء بالصلاة" (راجع كتاب: "الاعتصام" للإمام الشاطبي) .

وفي هذه الآثار وما شابهها إشارة إلى وقوع الاختلاف والابتداع في الدين من أزمان بعيدة، بل من عهد صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في قوله -صلى الله عليه وسلم- لصحابته -رضي الله عنهم-: ( فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي ‌فَسَيَرَى ‌اخْتِلَافًا ‌كَثِيرًا، ‌فَعَلَيْكُمْ ‌بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) ، وإنها تتكاثر مع مرور الزمان إلى الآن.

الأمر بالتمسك بالسنة في القرآن الكريم:

قال الله -تعالى-: ( ‌فَلَا ‌وَرَبِّكَ ‌لَا ‌يُؤْمِنُونَ ‌حَتَّى ‌يُحَكِّمُوكَ ‌فِيمَا ‌شَجَرَ ‌بَيْنَهُمْ ‌ثُمَّ ‌لَا ‌يَجِدُوا ‌فِي ‌أَنْفُسِهِمْ ‌حَرَجًا ‌مِمَّا ‌قَضَيْتَ ‌وَيُسَلِّمُوا ‌تَسْلِيمًا ) (النساء: 65) ، وقال -تعالى-: ( ‌وَمَا ‌آتَاكُمُ ‌الرَّسُولُ ‌فَخُذُوهُ ‌وَمَا ‌نَهَاكُمْ ‌عَنْهُ ‌فَانْتَهُوا ) (الحشر: 7) ، وقال -تعالى-: ( ‌لَقَدْ ‌كَانَ ‌لَكُمْ ‌فِي ‌رَسُولِ ‌اللَّهِ ‌أُسْوَةٌ ‌حَسَنَةٌ ‌لِمَنْ ‌كَانَ ‌يَرْجُو ‌اللَّهَ ‌وَالْيَوْمَ ‌الْآخِرَ ) (الأحزاب: 21) .

ذكر الشيخ ابن العثيمين -رحمه الله- أن الآية تشمل معنيين: (الأول: وهو أن كل ما يفعله فهو حسن، فالتأسي به حسن. الثاني: فإننا مأمورون بأن نتأسى به أسوة حسنة، لا نزيد على ما شرع ولا ننقص عنه، لأن الزيادة أو النقص ضد الحسن ولكننا مأمورون بأن نتأسى به)، و(أخذ العلماء من هذه الآية أن أفعال النبي -صلى الله عليه وسلم- حجة يحتج بها ويقتدَى به فيها إلا ما قام الدليل على أنه خاص به) (شرح رياض الصالحين) .

وقال -تعالى-: ( ‌مَنْ ‌يُطِعِ ‌الرَّسُولَ ‌فَقَدْ ‌أَطَاعَ ‌اللَّهَ ) (النساء: 80) ، وقال -تعالى-: ( ‌فَلْيَحْذَرِ ‌الَّذِينَ ‌يُخَالِفُونَ ‌عَنْ ‌أَمْرِهِ ‌أَنْ ‌تُصِيبَهُمْ ‌فِتْنَةٌ ‌أَوْ ‌يُصِيبَهُمْ ‌عَذَابٌ ‌أَلِيمٌ ) (الأحزاب: 34) . قال الشيخ ابن العثيمين: (ففي هذا دليل على وجوب قبول أمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأن الذي يخالف عنه مهدَّد بهذه العقوبة: ( ‌أَنْ ‌تُصِيبَهُمْ ‌فِتْنَةٌ ‌أَوْ ‌يُصِيبَهُمْ ‌عَذَابٌ ‌أَلِيمٌ ) (شرح رياض الصالحين) .

وفي السنة النبوية:

عن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: ( أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي ‌فَسَيَرَى ‌اخْتِلَافًا ‌كَثِيرًا، ‌فَعَلَيْكُمْ ‌بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني) .

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( ‌فَإِذَا ‌نَهَيْتُكُمْ ‌عَنْ ‌شَيْءٍ ‌فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ) (متفق عليه) ، قال الشيخ ابن العثيمين: (فإن هذا يدخل في المحافظة على السنة) (شرح رياض الصالحين) .

النهي عن الابتداع في الدِّين:

الصفحة التالية