البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
قال -تعالى-: ( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) (الأنعام: 153) ، وقال -تعالى-: ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (الأنعام: 159) ، وفي الصحيح عن عائشة -رضي الله عنها- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) (متفق عليه) ، وفي رواية: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ، وكان -صلى الله عليه وسلم- يقول في خطبته ( أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ. وَخَيْرُ الْهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ. وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا. وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) (متفق عليه) .
وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم"، وعنه قال: "وستجدون أقوامًا يزعمون أنهم يدعون إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم، فعليكم بالعلم وإياكم والتبدع والتنطع والتعمق، وعليكم بالعتيق"، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "عليكم بالاستفاضة والأثر وإياكم والبدع" (انظر: الإبداع في مضار الابتداع، للشيخ علي محفوظ) .
المراد بالابتداع في الدِّين:
(أصل مادة بدع للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله -تعالى-: ( بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ) (البقرة: 117) ، أي: مخترعهما على غير مثال سابق متقدم، وقوله -تعالى-: ( قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ ) (الأحقاف: 9) ، أي: ما كنت أول مَن جاء بالرسالة مِن الله إلى العباد، بل تقدمني كثير مِن الرسل. ويقال: ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، وهذا أمر بديع: يقال في الشيء المستحسن الذي لا مثال له في الحسن، فكأنه لم يتقدمه ما هو مثله ولا ما يشبهه. ومن هنا سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع، وهيئتها هي البدعة، ويسمى العلم المعمول على ذلك بدعة، فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة، وهو إطلاق أخص منه في اللغة) (راجع كتاب: الاعتصام) .
فالبدعة في الدين تقال في مواجهة السنة النبوية، فكل ما ثبت بالأدلة الشرعية فهو من سنته -صلى الله عليه وسلم-، ويشرع التقرب به إلى الله -تعالى- في أمور الاعتقاد والعبادات، والأقوال والأفعال. وأما كل ما خالف هذه السنة مما لا دليل من الشرع عليه، فلا يشرع التقرب إلى الله -تعالى- به، في أمور الاعتقاد والعبادات والأقوال والأفعال، ويطلق عليه أنه بدعة، فالبدعة نقيض السنة. والسنة بمفهومها الشامل تتضمن كل ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- من أمور الاعتقاد والعبادات والسلوكيات، مما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أو فعله، أو أمر به أو نهى عنه، أو سكت عليه وأقره.
تعريف البدعة:
ذكر الإمام الشاطبي تعريف البدعة بأنها: (طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى) (الاعتصام) .
(طريقة في الدين): إنما قُيِّدت الطريقة بالدين؛ لأنها فيه تخترع، وإليه يضيفها صاحبها، وأيضًا فلو كانت طريقة مخترعة في أمور الدنيا على الخصوص لم تسمَّ بدعة كإحداث الصنائع والبلدان التي لا عهد بها فيما تقدم. والطرائق في الدين تنقسم إلى ما له أصل في الشريعة، ومنها ما ليس له أصل فيها، وخص منها ما هو المقصود بالتعريف وهو القسم المخترع، أي: طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع؛ إذ البدعة إنما خاصتها أنها خارجة عما بيَّنه الشارع.
و(تضاهي الشرعية) أي: أنها طريقة تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، فلو كانت لا تضاهي الأمور المشروعة لم تكن بدعة؛ لأنها تصير من باب الأفعال العادية. وأيضًا فإن صاحب البدعة إنما يخترعها ليضاهي حتى يكون ملبِّسًا بها على الغير، أو تكون مما تلتبس عليه بالسنة، إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع؛ لأنه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعًا ولا يدفع به ضررًا، ولا يجيبه غيره إليه؛ لذا تجد المبتدع ينتصر لبدعته بأمور تخيل التشريع ولو بدعوى الاقتداء بفلان المعروف منصبه في أهل الخير.
(يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله -تعالى-): وهو تمام معنى البدعة؛ إذ هو المقصود بتشريعها، وذلك أن أصل الدخول في البدعة الحث على عبادة والترغيب فيها، فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى، ولم يتبيَّن له أن ما وضعه الشارع فيه من القوانين والحدود كافٍ، فرأى من نفسه أنه لا بد لما أطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة وأحوال مرتبطة، مع ما بداخل النفوس من حب الظهور أو عدم مظنته، فدخلت في هذا الضبط شائبة البدعة.
وأيضًا فإن النفوس قد تمل وتسأم من الدوام على العبادات المرتبة، فإذا جُدد لها أمر لا تعهده حصل بها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأول، ولذلك قالوا: لكل جديدة لذة بحكم هذا المعنى، كمَن قال: كما تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور، فكذلك تحدث لهم مرغبات في الخير بقدر ما حدث لهم من الفتور. (وقد تبين بهذا القيد أن البدع لا تدخل في العادات، فكل ما اخترع من الطرق في الدين مما يضاهي المشروع ولم يقصد به التعبد فقد خرج عن هذه التسمية كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسب مخصوصة، وقدر مخصوص مما يشبه الزكوات، ولم يكن إليها ضرورة. وكذلك اتخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان، وما أشبه ذلك من الأمور التي لم تكن من قبل فإنها لا تسمى بدعًا) (الاعتصام) .
المراد بالبدعة الحقيقية والبدعة الإضافية:
تنقسم البدعة من جهة وجود الدليل عليها إلى بدعة حقيقية وبدعة إضافية:
