شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية

الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي

قال الإمام الشاطبي -رحمه الله-: (ويمكن أن يدخل في البدع الإضافية: كل عمل اشتبه أمره فلم يتبين أهو بدعة فينهى عنه؟ أم غير بدعة فيعمل به؟ فإنا إذا اعتبرناه بالأحكام الشرعية وجدناه من المشتبهات التي قد ندبنا إلى تركها حذرًا من الوقوع في المحظور، والمحظور هنا هو العمل بالبدعة، فإذًا العامل به لا يقطع بأنه عمل بدعة، كما أنه لا يقطع أنه عمل سنة، فصار من جهة هذا التردد غير عامل ببدعة حقيقية، ولا يقال أيضًا: إنه خارج عن العمل بها جملة. وبيان ذلك: أن النهي الوارد في المشبهات إنما حماية أن يقع في ذلك في الممنوع الواقع فيه الاشتباه، فإذا اختلطت الميتة بالذكية نهيناه عن الإقدام، فإن أقدم أمكن عندنا أن يكون أكلًا للميتة في الاشتباه، فالنهي الأخف إذًا منصرف نحو الميتة في الاشتباه، كما انصرف إليها النهي الأشد في التحقيق) (الاعتصام) .

هل لصاحب البدعة الإضافية توبة؟

قال الشيخ على محفوظ: (فالمبتدع بدعة إضافية قد خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا، وهو يرى أن الكل صالح فلا يدخل فيمَن تُرجَى توبته؛ لأنه لا يرى لنفسه ذنبًا حتى يتوب منه، بل يرى أن كل ما يفعله حسن، ولا توبة لمن لم يعرف لنفسه ذنبًا، ولهذا قال أئمة المسلمين كسفيان الثوري: إن البدعة أحب إلى إبليس من المعصية؛ لأن البدعة لا يتاب منها والمعصية يتاب منها. ومعنى قولهم: إن البدعة لا يتاب منها: أن المبتدع الذي يتخذ دينًا لم يشرعه الله ورسوله قد زُيِّن له سوء عمله فرآه حسنًا، فهو لا يتوب ما دام يراه حسنًا؛ لأن أول التوبة العلم بأن فعله سيئ ليتوب منه أو أنه ترك حسنًا مأمورًا به ليتوب ويفعله، فما دام يرى فعله حسنًا وهو سيئ في نفس الأمر فإنه لا يتوب)، (ولكن التوبة ممكنة وواقعة بأن يهديه الله حتى يتبيَّن له الحق كما هدى -سبحانه وتعالى- مَن هدى مِن الكفار والمنافقين وطوائف من أهل البدع والضلال، فقد يعرض الدليل على المخالف فيرجع لاقتناعه به كما رجع من الحرورية الخارجين على الإمام علي -رضي الله عنه- ألفان، وهذا يكون بأن يتبع من الحق ما علمه، فمن عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم) (الإبداع) .

وقال الشيخ ابن العثيمين -رحمه الله-: (الاتباع لا يتحقق إلا إذا كان العمل موافقًا للشرع في ستة أمور:

1- السبب: فإذا تعبد الإنسان لله -تعالى- بعبادة مقرونة بسبب ليس شرعيًّا؛ فهي بدعة مردودة على صاحبها، مثل: إحياء ليلة السابع والعشرين من رجب بالتهجد، يدعون أنها ليلة الإسراء والمعراج، فالتهجد في أصله عبادة، لكن لما قرن بهذا السبب كان بدعة؛ لكونه بني على سبب لم يثبت شرعًا.

2- الجنس: فإذا تعبَّد الإنسان لله -تعالى- بعبادة لم يشرع جنسها فهي غير مقبولة، كالتضحية بفرس؛ لأن الأضاحي لا تكون إلا من جنس بهيمة الأنعام، وهي: الإبل والبقر والغنم.

3- القَدْر (بسكون الدال): فلو أراد إنسان أن يزيد صلاة على أنها فريضة أو ركعة في فريضة، فعمله ذلك بدعة مردودة؛ لأنها مخالفة للشرع في المقدار أو العدد.

4- الكيفية: فلو نكس إنسان الصلاة لما صحت صلاته؛ لأن عمله مخالف للشرع في الكيفية.

5- الزمان: فلو ضَحَّى إنسان في رجب أو صام رمضان في شوال، أو وقف بعرفات في التاسع من ذي القعدة لما صح ذلك منه؛ لمخالفته للشرع في الزمان.

6- المكان: فلو اعتكف إنسان في منزله لا في المسجد، أو وقف يوم التاسع من ذي الحجة بمزدلفة، لما صح ذلك منه؛ لمخالفته للشرع في المكان (راجع: الإبداع في بيان كمال الشرع) .

تنبيه مهم:

الحكم على العمل الحادث أنه بدعة إنما هو حكم جارٍ على وَفْق القواعد العلمية والضوابط الأصولية، فصاحب البدعة قد يكون مجتهدًا، فمثل هذا الاجتهاد -ولو أنه خطأ- فإنه يدرأ عن المجتهد الوصف بالابتداع، وقد يكون صاحب البدعة جاهلًا فينفى عنه -لجهله- الوصف بالابتداع، مع ترتب الإثم عليه لتقصيره في طلب العلم. وقد تكون هناك موانع أخرى من الحكم على مرتكب البدعة بالابتداع، أما مَن أصر على بدعته بعد ظهور الحق له اتباعًا للآباء والأجداد، وجريًا وراء المألوف والمعتاد، فمثل هذا يليق به الوصف بالابتداع؛ لإعراضه عن الحق. فلا يجوز إذًا اتباع سائر مَن قال أو عمل قولًا قد عُلِم الصواب في خلافه، وإن كان القائل أو الفاعل مأجورًا أو معذورًا. (راجع للاستزادة: "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم" لابن تيمية) .

الصفحة السابقة