البدعة الحقيقية والبدعة الإضافية
الشيخ علاء بكر • المنهج السلفي
- فـ(البدعة الحقيقية هي التي لم يدل عليها دليل شرعي؛ لا من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا استدلال معتبر عند أهل العلم لا في الجملة ولا التفصيل؛ ولذلك سميت بدعة -كما تقدم ذكره-؛ لأنها شيء مخترع على غير مثال سابق، وإن كان المبتدع يأبى أن ينسب إليه الخروج عن الشرع، إذ هو مدع أنه داخل بما استنبط تحت مقتضى الأدلة، لكن تلك دعوى غير صحيحة لا في نفس الأمر ولا بحسب الظاهر، أما بحسب نفس الأمر فبالعرض، وأما بحسب الظاهر فإن أدلته شبه ليست أدلة إن ثبت أنه استدل، وإلا فالأمر واضح).
ومن أمثلة البدع الحقيقية: الطواف بغير الكعبة كالطواف بالأضرحة، وكالوقوف على غير عرفة، وكالتقرب إلى الله -تعالى- بالرهبانية، بالمبالغة في العبادة بالرياضات النفسية والانقطاع عن الناس، وترك الزواج مع ووجود الداعية إليه، كما في رهبانية النصارى المذكورة في قوله -تعالى- ( وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا ) (الحديد: 27) ، ومن ذلك ما يفعله الشيعة في إيران يوم عاشوراء من خدش الوجوه والرؤوس واللطم والنواح؛ لكون الحسن بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- قُتِل في يوم عاشوراء، فيفعلون كل هذه المخالفات الشرعية زاعمين أنها تقربهم من الله -تعالى-!
- (وأما البدعة الإضافية فهي التي لها شائبتان: إحداهما لها من الأدلة متعلق، فلا تكون من تلك الجهة بدعة، والأخرى ليس لها متعلق مثل ما للبدعة الحقيقية، فلما كان العمل الذي له شائبتان لم يتخلص لأحد الطرفين وضع له هذه التسمية، وهي البدعة الإضافية، أي: أنها بالنسبة لإحدى الجهتين سنة؛ لأنها مستندة إلى دليل، وبالنسبة إلى الجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة إلى شيء.
والفرق بينهما من جهة المعنى: أن الدليل عليها من جهة الأصل القائم، ومن جهة الكيفيات أو الأحوال أو التفاصيل لم يقم عليها، مع أنها محتاجة إليه؛ لأن الغالب وقوعها في التعبديات لا في العادات المحضة) (الاعتصام) .
فالبدعة الإضافية لها من الأدلة متعلق فلا تكون مخالفة للشرع من هذه الجهة، ولها كذلك جهة ليس لها متعلق من الشرع فهي به بدعة، أي: أنها إلى إحدى الجهتين موافقة للشرع مستندة إلى دليل، وبالنسبة للجهة الأخرى بدعة؛ لأنها مستندة إلى شبهة لا إلى دليل أو غير مستندة لشيء.
ومن أمثلة البدعة الإضافية:
- صلاة الرغائب: وهي اثنتا عشرة ركعة في ليلة الجمعة الأولى من شهر رجب بكيفية مخصوصة، يفصل بين كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب مرة، و( إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) (القدر: 1) ، و( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) (الإخلاص: 1) اثنتي عشر مرة. قال الإمام النووي في صلاة الرغائب: (ليس لأحدٍ أن يستدل على شرعيتها لما روي عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ( الصّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ ) (رواه الطبراني في المعجم الأوسط، وصححه الألباني) ، فإن ذلك يختص بصلاة لا تخالف الشرع بوجه من الوجوه).
- صلاة النصف من شعبان: وهي مائة ركعة في النصف من شعبان بكيفية مخصوصة، كل ركعتين بتسليمة، يقرأ في كل ركعة بعد الفاتحة سورة الإخلاص إحدى عشرة مرة، (ووجه كونها بدعة إضافية أنها مشروعة باعتبار، غير مشروعة باعتبار آخر؛ فأنت إذا نظرت إلى أصل الصلاة تجدها مشروعة؛ لحديث رواه الطبراني في الأوسط: ( الصّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ )، وإذا نظرتَ إلى ما عرض لها من التزام الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة تجدها بدعة؛ فهي مشروعة باعتبار ذاتها، مبتدعة باعتبار ما عرض لها.
- تخصيص يوم لم يخصه الشارع بصوم أو ليلة لم يخصها الشارع بقيام، فالصوم في ذاته مشروع وقيام الليل كذلك، وتخصيصهما بيوم وبليلة بدعة) (راجع: الإبداع في مضار الابتداع) .
ومن أمثلة البدع الإضافية أيضًا:
- التأذين لصلاة العيدين أو لصلاة الكسوف، فإن الأذان للصلاة قربة، وباعتبار كونه لصلاة العيدين أو الكسوف بدعة؛ إذ ليس لصلاة العيدين والكسوف أذان.
- رفع الصوت بالذكر أو بقراءة القرآن أمام الجنازة، فالذكر باعتبار ذاته مشروع، وكذا قراءة القرآن باعتبار ذاته مشروع، وباعتبار ما عرض له من رفع الصوت غير مشروع، وكذا وضعه في ذلك الموضع (أمام الجنازة) غير مشروع، فهو مبتدع من جهتين: من جهة كيفيته، ومن جهة موضعه.
- الصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم- عقب الأذان مع رفع الصوت بهما وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان، فالصلاة والسلام مشروعان باعتبار ذاتهما، ولكنهما بدعة باعتبار ما عرض لهما من الجهر وجعلهما بمنزلة ألفاظ الأذان (راجع: الإبداع في مضار الابتداع) .
الإنكار في البدع الإضافية:
البدع الإضافية داخلة في عموم البدع المنهي عنها، ولكن لكونها فيها شبهة تحتاج في إنكارها إلى معرفة بأقوال العلماء فيها، وتحتاج إلى حسن تعليم للناس عند بيان بدعيتها؛ نظرًا لعدم دراية فاعلها بحقيقة ووجه مخالفة الشرع فيها، مع رفق ولين.
قال الشيخ على محفوظ: (وبهذا تعلم بأن مَن ينكر البدعة المذكورة إنما ينكرها بالاعتبار الثاني، فالاعتراض عليه منشؤه عدم الدراية بحقيقة البدعة، وبما يقصده المنكِر لها، وعلى المرشد أن يكون حكيمًا في مثل هذه البدع الإضافية فينبه الناس إليها برفق ولين، ولا يكون مثار فتنة. هذا وإن صاحب البدعة الإضافية يتقرب إلى الله -تعالى- بمشروع وغير مشروع كما علمت من الأمثلة السابقة، والتقرب يجب أن يكون بمحض المشروع؛ إذ لا يقرب العبد إلى الله -تعالى- إلا العمل بما شرع، وعلى الوجه الذي شرع، فكما يجب أن يكون العمل مشروعًا باعتبار ذاته يجب أن يكون مشروعًا باعتبار كيفيته، كما يفيده حديث: ( مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ ) (رواه مسلم) ) (راجع: الإبداع في مضار الابتداع) .
فوائد مهمة:
