الكبائر (30) مَنْعُ الزكاة (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة، التي ضَمِن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- مَنْعُ الزكاة من كبائر الذنوب التي توعَّد أهلها بألوان الوعيد، وتهدَّدهم بأنواع العذاب الشديد في الحياة وبعد الممات: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ . يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) (التوبة: 34-35) .
(1) نظرة الإسلام إلى المال:
- المال مِلك لله، وأنه وسيلة لا غاية، وأن مقياس الناس أعمالهم وليس أموالهم: قال -تعالى-: ( آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ) (الحديد: 7) ، وقال: ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) (الحجرات: 13) .
- فاوت الله بين أرزاق الخلق، فمنهم غني ومنهم فقير لحكمة بالغة؛ ليتكامل الكون ويتعايش الناس، ويخدم بعضهم بعضًا: قال -تعالى-: ( وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) (النحل: 71) ، وقال: ( نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ) (الزخرف: 32) .
- مع تفاوت الناس في الأرزاق، وفي الغنى والفقر، فإن منفعة المال الذي هو بأيدي الأغنياء منفعة عامة للجميع، حيث جعل الله في هذا المال حق معلوم للفقير: قال -تعالى-: ( وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ . لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ ) (المعارج: 24-25) ، قال قتادة وغيره: الحقّ المعلوم: الزكاة. وقال -تعالى-: ( وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) (النور: 33) .
- إذًا... الزكاة حق للفقير، وليست مِنَّة ولا تفضلًا من الغني، بل هي حق للفقراء واجب على الأغنياء، فقد جعل الإسلام المجتمع كالأسرة الواحدة يكفل بعضهم بعضًا: قال -تعالى-: ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) (الحجرات: 10) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى ) (متفق عليه) (1) .
(2) مكانة الزكاة في الإسلام:
- الزكاة ركن من أركان الدين والإيمان في الإسلام: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ ) (متفق عليه) .
- جعل الإسلام الزكاة مع التوبة من الشرك وإقامة الصلاة، عنوانًا على الإسلام، واستحقاق مؤديها أخوة المسلمين: قال -تعالى-: ( فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ) (التوبة: 11) .
- وأعلن الإسلام أن في الزكاة تنمية للمال، وحفظًا له من الزوال، بخلاف ما يتصور البخلاء: قال -تعالى-: ( وَمَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ) (سبأ: 39) ، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ما نَقَصَتْ صَدَقةٌ مِن مالٍ... ) (رواه مسلم) (2) .
- بغير أداء الزكاة لا يكون المسلم في عداد المؤمنين الذين كتب الله لهم الفلاح وأعطاهم الفردوس الأعلى: قال -تعالى-: ( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ . إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ . فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ . وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ . أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ . الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (المؤمنون: 1-11) .
(3) عقوبة مانعي الزكاة في الدنيا والآخرة:
- البُخل بالزكاة من أَمَارات النِّفاق وموجِبَاته: قال -تعالى- في وصْف المنافقين: ( وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ) (التوبة: 54) ، وقال -تعالى-: ( الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) (التوبة: 67) .
- البُخل بالزكاة سبب في نزول البلايا والنقم بالمجتمعات (الفقر - الغلاء - الأمراض - ... ): قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنَ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ) (رواه ابن ماجه، وحسنه الألباني) .
