شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

تعليقًا على قرار وزارة التربية والتعليم حول النقاب

الشيخ عبدالمنعم الشحات • حدث وتعليق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

الخلاصة:

- طلب موافقة ولي الأمر على حجاب ابنته أشبه باستدعاء ولي أمر الطالبة لتفوقها.

- محاولة إقناع المنتقبات بعدم لزومه مخالف للشرع وللقانون.

- حبذا لو وَجَّهت وزارة التربية والتعليم جهودها الحوارية لمحاربة البلطجة والمخدرات، ومحاربة الإسفاف على مواقع التواصل الاجتماعي.

- أدعو كل المنتقبات على اختلاف أعمارهن إلى التسلُّح بمعرفة الأسانيد الشرعية والقانونية التي تمنع أيَّ أحدٍ مِن التَّدَخُّل في اختيارهن.

التعليق:

نشرت وزارة التربية والتعليم بيانًا لضوابط الزي المدرسي، وذكرتْ فيه ما حاصله:

1- يُسمَح بارتداء غطاء شعر مع إحضار ما يفيد بموافقة ولي الأمر.

2- يمنع غطاء الوجه (النقاب).

3- ثم نشرت الوزارة أنه سيتم الاعتماد على التربية الاجتماعية في التعامل مع الطلاب؛ سواء البنات أو الأولاد، ولتعريف الطالبات الغاية من منع غطاء الوجه في المدارس، وهو كشف شخصية الطالب، وليس منعه من الالتزام.

وهذا التصريح يبدو أنه جاء تلطيفًا لقرار المنع؛ ليصبح منعًا مصحوبًا بحوارٍ، وليس بالعصا الغليظة.

ولنا مع هذا وقفات سريعة:

1- حرصتِ الوزارةُ على التأكيد على أن غطاء الشعر اختياري، وأنها لا تفرض الحجاب على الفتيات، وبما أن هناك إجماعًا من العلماء على وجوب الحجاب، وبما أن القرار يشمل كل المدارس إلى المرحلة الثانوية؛ مما يعني أنه يشمل فتيات مكلَّفات بالفروض الشرعية، ومنها: الحجاب؛ فهذا يعني أن الوزارة لا ترى نفسها مسئولة عن الإلزام بالواجبات الشرعية، ولا حتى الدعوة إليها عبر التربية الاجتماعية.

وبالتالي، فإن الأمر يبدو شديد التناقض حينما تعلن الوزارة أنها تريد إقناع الطالبات بعدم لزوم النقاب، وأن فعله زيادة منهن، فإذا كانت الوزارة ترى أن لها دورًا في تصويب ما يقع من بعض الطلاب أو الطالبات من مخالفات شرعية؛ فلتبدأ بمَن لم يحتجبن؛ وإلا فليس لها التدخل في شئون المنتقبات إلا باعتبار الحاجة إلى التحقق من شخصية الطالبة، مع صيانة حقها واختيارها، وذلك باللجوء إلى وسيلة تحقق من الشخصية لا تخدش اختيار الطالبة، ولا تفرض عليها ما لا تريده، وهذا ممكن بأن يكون التحقق من الشخصية عند الحاجة، وعَبْر مشرفات.

2- يبدو شيئًا مثيرًا للدهشة أن يطلب التأكد مِن موافقة ولي الأمر على حجاب ابنته المحجبة للتأكد من أن أحدًا لم يفرضه عليها؛ هذا مع اتفاق القاصي والداني في الوزارة وخارجها على أن الحجاب فريضة، وبالتالي فهو شيء حسن يجب على المسلمة المكلَّفة فعله، ويجب على كل المسلمين محبته، ويجب على أمة الإسلام الدعوة إليه والترغيب فيه، والأشياء الحسنة لا يمكن أبدًا أن تسبب إزعاجًا أو خوفًا أو قلقًا من الوزارة يستوجب معه تنبيه ولي أمر الطالبة حتى يفتش مِن الذي دعاها إلى هذه المحاسن.

والوزارة (في عهود سابقة لما كان الطلاب يحضرون والمدرسون يشرحون) كانوا يستدعون ولي أمر الطالب لسوء السلوك، أو لضعف المستوى التعليمي، ولم نرَ قط استدعاء ولي الأمر لحسن السلوك أو للتفوق الدراسي! واستدعاء ولي الأمر من أجل حجاب ابنته -عند العقلاء- أكثر عجبًا من استدعائه من أجل تفوقها!

وكون أن بعض الغلاة في الدِّين (وأعني هنا الغلو بالخروج عمَّا في الكتاب والسنة، ومن أخطر أمثلته: تكفير عوام المسلمين أو انتهاج العنف تجاه المجتمع، وليس الالتزام بالشرع الذي يسميه كثير من الإعلاميين: غلوًّا!).

فإذا كان بعض هؤلاء يأمر بشيء من الدِّين؛ فلا يمكن اعتبار هذا الشيء خاصية أو علامة أو سمة من سمات الغلو؛ وإلا فإن هذا قد ينسحب على الصلاة ذاتها، وعلى كثير من الأمور الشرعية التي يفعلها الغلاة وينادون بها إلا أنهم يغالون فيها، أو ينضبطون فيها، ولكن يغالون في غيرها.

ثم إن هذا الاشتراط يُخشَى معه أن يتردد بعض أولياء الأمور البسطاء في إتمام هذا الأمر؛ ظنًّا منهم أن هذا الإقرار قد يضعهم في دائرة الاشتباه.

ومطالبة إقرار ولي الأمر بالإقرار بأنه يعلم أن ابنته محجبة يعني: أن الوزارة تفترض أن كثيرًا من المحجبات (وإلا فلا نظن أن الوزارة لديها رفاهية البحث والتفتيش عن الأحوال النادرة في أمر خارج العملية التعليمية أصلًا) يخرجن من بيوتهن غير محجبات ثم تجبرهن قوى ما على الحجاب خارج المنزل، وأن هذه القوى يهمها بشكل جوهري أن تجبر الطالبات على الحجاب في المدرسة! ثم إذا رجعت هذه الطالبة إلى بيتها خلعت الحجاب خارج المنزل! (وإلا فلو عادت به فلا بد أن ولي أمرها سيعلم أنها محجبة طوعًا أو كرهًا).

ونتيجة هذا الافتراض (الذي يدمِّر نظرية الاحتمالات، ويجعل تدريسها في مناهج الوزارة ضربًا من العَبَث) قررتِ الوزارة أن تنبِّهَ الآباء المساكين ليفتشوا "مع الوزارة" عن هذه القوى الخفية التي تَفرِض على البنات الحجاب في المدارس خاصة!

3- بيَّنَّا أن الوزارة لم تضع نفسها موضع المسئول عن تصحيح كلِّ خطأ شرعي تقع فيه الطالبات؛ وإلا فسيلزمها فعل هذا مع مَن لا تتحجب؛ فلم يبقَ أمام الوزارة إلا حماية اختيار الطالبة التي اختارت النقاب؛ بغض النظر عن وجهة نظر قيادات الوزارة، أو وجهة نظر أي أحدٍ آخر.

فإن قالوا: نريد التحقق من شخصيتها، ولأن هناك مِن الرجال مَن يتخفَّى في النقاب (وفي الواقع: قد ضُبِط بالفعل في مواطن مختلفة حالات تخفي بعض الرجال في النقاب)، فعودة مرة أخرى إلى نظرية الاحتمالات: هل يمكن أن يتم هذا في الدخول إلى مدرسة بين البنات وهن يدخلن في موعدٍ واحدٍ؛ مما يسهِّل جدًّا على البنات اكتشاف هذا الرجل المتنكر؟!

ثم إنهن يدخلن بعد ذلك إلى الفصول وتجلس كل واحدة في مكانها، وتكلم زميلاتها، بل وترفع المنتقبات النقاب في الحصص التي يتولى الشرح فيها مُدَرِّسَات؛ فبالله عليكم؛ هذا الذي تخفَّى في النقاب: أخفى وجهه أم طمس نظر "بل كل حواس" مَن حوله بنقابه هذا؟!

ثم هل النقاب هو الوسيلة الوحيدة لتنكر رجل في صورة امرأة؟! بلا شك أن قليلًا من المكياج مع الملابس الحريمي قد تُمَكِّن الرجال مِن هذا، واسألوا الدراما تخبركم!

الصفحة التالية