شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الذكاء الاصطناعي... السلاح ذو الحدين!

الشيخ علاء بكر • قضايا معاصرة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فلم يمضِ منتصف القرن العشرين حتى تعرَّف الإنسان على التفاعلات النووية، فكانت سلاحًا ذا حدين: باستعمال تلك التفاعلات سلميًّا في الإنتاج الهائل للطاقة بالمحطات النووية؛ إضافة إلى استعمالات أخرى طبية وغيرها.

كما أنها استخدمت أيضًا لصناعة الأسلحة الذرية شديدة التدمير، والتي باتت تهدد بفناء الحياة البشرية. واليوم ولم يمضِ ربع قرن من القرن الحادي والعشرين حتى طرق الإنسان باب برامج وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، والتي تعد أيضًا سلاحًا هائلًا ذا حدين، من خلال تطبيقاته المذهلة في المجالات المختلفة، وسلبياتها الكبيرة المحتملة في جوانب متعددة من الحياة.

الذكاء الاصطناعي: هو فرع حديث من علوم الكومبيوتر الذي يهتم ببناء أجهزة وأنظمة قادرة على محاكاة الطريقة البشرية بحيث تتصرف مثل البشر من حيث الاستنتاج في سرعة، فهو تخصص يعتمد على دراسة العوامل التي تعمل على فهم التصورات المستمدة من البيئة لتحليلها وتحويلها إلى ردِّ فعل ذكي استجابة له.

فالذكاء الاصطناعي: مصطلح يشمل التطبيقات التي تؤدي مهامًا معقدة كانت تتطلب من قبل تدخلات بشرية كثيرة؛ إنه الذكاء الذي تبديه الآلات والبرامج بما يحاكي الطريقة البشرية وأنماط عملها، مثل: الاستنتاج، ورد الفعل على أوضاع لم تبرمج في الآلة، وكيفية صنع كمبيوترات وبرامج قادرة على اتخاذ سلوك ذكي.

فتعمل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي بذلك على تحسين أداء المؤسسات والشركات عن طريق القيام بالعمليات، والمهام التي كانت تتطلب وجود القوة البشرية الكبيرة فيما مضى، كما يمكن للذكاء الاصطناعي فهم البيانات بدقة وسرعة، وعلى نطاق واسع لا يمكن لأي إنسان تحقيقه، مما يعود بمزايا كبيرة جدًّا على الأعمال وإدارتها؛ فهو ذكاء اصطناعي يتميز بالقدرة على التعلم من خلال تحليل كميات كبيرة من البيانات، بالاعتماد على خوارزميات التعلم الآلي لتحسين الأداء، وقوة هذا الذكاء في قدرته على أداء المهام بسرعة ودقة لا تصدق، ويمكنه معالجة كميات كبيرة من البيانات في فترة زمنية قصيرة، ثم اتخاذ القرارات بناءً على تلك البيانات، والتي يمكن أن تكون مفيدة بشكل لا يصدق في العديد من مجالات العمل والحياة.

ويعد هذا التخصص من التخصصات التي ستتزايد الحاجة إليها بشدة في المستقبل؛ نظرًا لاتجاه الشركات والمؤسسات إلى الاستفادة من اتباع نظم هذا الذكاء الاصطناعي في الإدارة داخلها أو في التواصل مع العملاء خارجها.

ويتميز هذا الذكاء الاصطناعي بأنه:

- يمكن تشغيله بشكل مستمر.

- يصل إلى الإجابات الصحيحة بنسبة كبيرة.

- مساحة الخطأ فيه تقل يومًا بعد يوم.

والمأمول أن لا يكون الذكاء الاصطناعي بديلًا عن الذكاء البشري، بل مساعدًا له، يزيده بعدة طرق، من خلال تعزيز قدراته المعرفية وتمكينه من تحقيق آفاق جديدة من الإنتاجية والإبداع وحل المشكلات، فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يزيد الذكاء البشري بتزويده بإمكانية الوصول إلى كميات هائلة من المعلومات والمعرفة، باستخدام خوارزميات الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وسرعة تفسيرها بطرق كانت سابقًا أشبه بالمستحيل؛ مما يسمح باتخاذ قرارات أكثر استنارة، واكتساب رؤى حول المشكلات المعقدة، أي: العمل بكفاءة وفاعلية كبيرة، وفتح آفاق جديدة للإبداع لم تكن متوفرة من قبل.

ولكن يبقى الخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي تدريجيًّا محل الوظائف البشرية، وبالتالي محل العمالة البشرية، كما يخشى مع تصميمه وبرمجته أن لا يراعي الجوانب العاطفية والأخلاقية والإنسانية في استنتاجاته وقراراته، فمع إمكانية تعرف الذكاء الاصطناعي على المشاعر والعواطف البشرية والاستجابة لها إلى حدٍّ ما من خلال تقنيات، مثل: تحليل العواطف والمشاعر، فمع ذلك فإن الذكاء الاصطناعي لا يشعر بالعواطف مثل البشر؛ لأنه ببساطة يعالج البيانات ويتفاعل معها بناءً على تم برمجته عليه؛ مما يجعل من الضروري التعامل معه بحذر وعناية، مع مراعاة الاعتبارات العاطفية والإنسانية والأخلاقية عند برمجته، واستخدامه على نطاق واسع.

الموظفون مهددون:

يمتلك تطبيق (شات جي بي تي) تكنولوجيا مذهلة، وقد تم إطلاقه مؤخرًا من أحد أكثر مختبرات أبحاث الذكاء الاصطناعي تأثيرًا في العالم، وهو واحد من العديد من أدوات الذكاء الاصطناعي التي تم إصدارها، بما في ذلك مولدات الصور، ومولد الفيديو، وهي تنتج قدرًا هائلًا من المحتوى الرقمي بسرعة كبيرة وبتكلفة زهيدة. وقد استخدم تطبيق (شات جي بي تي) بالفعل في مساعدة الطلاب على كتابة الأبحاث، واستخدمته شركات لإنشاء نسخ لمواقعها الإلكترونية وموادها الترويجية وللرد على استفسارات خدمة العملاء، ويستخدمه محامون لكتابة موجزات قانونية، ويستغله باحثون لإنتاج أبحاثهم.

وبحسب خبراء التكنولوجيا، فإن تطبيقات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على مهام كان يظن أنه من المستحيل أن تتأثر بالذكاء الاصطناعي، وبالتالي ستبعد خدماتها عمل الكثير من وكلاء خدمة العملاء والمساعدين القانونيين، ومن المبرمجين، ومنتجي ومسوقي المحتوى الرقمي، والمساعدين التنفيذيين، ومؤلفي النصوص والصحفيين؛ إذ إن الشركات والمؤسسات عندما يمكنها استبدال الآلات بالموظفين لديها؛ فإنها قطعًا ستفعل ذلك، وهذا يعني أن مثل كل هذه الوظائف قد تتغير قريبًا، وسيكون لهذا الاتجاه تأثيره الكبير على سوق العمل، حيث سيفقد الكثيرون وظائفهم التي هم عليها الآن، وتقدر إحدى دراسات أكسفورد أن 47 % من الوظائف الأمريكية أصبحت في خطر.

الصفحة التالية