الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (132) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (7)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113-114) .
الفائدة الرابعة:
قوله -تعالى-: ( مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ) دليل على أن كل من مات على الكفر فهو مخلد في النار، هذا الحكم بالنسبة للعموم؛ أما آحاد الكفار فالواجب علينا أن نقول كما ذكر الله في القرآن: "قد تَبيَّن لنا أنهم من أصحاب الجحيم"، وإذا مررنا على قبور المشركين فإننا نبشرهم بالنار؛ لأن هذا من أحكام الدنيا بالنسبة لنا التي هي نوع من الدعوة إلى الله لترهيب الكفار الأحياء من موتهم على الكفر، وترغيبهم في الدخول في الإسلام قبل الموت، فهذا ثابت في عِدَّة أحاديث، منها: حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي كَانَ يَصِلُ الرَّحِمَ، وَكَانَ وَكَانَ، فَأَيْنَ هُوَ؟ قَالَ: ( فِي النَّارِ ) قَالَ: فَكَأَنَّهُ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيْنَ أَبُوكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( حَيْثُمَا مَرَرْتَ بِقَبْرِ مُشْرِكٍ فَبَشِّرْهُ بِالنَّارِ ) قَالَ: فَأَسْلَمَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدُ، وَقَالَ: لَقَدْ كَلَّفَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَعَبًا، مَا مَرَرْتُ بِقَبْرِ كَافِرٍ إِلَّا بَشَّرْتُهُ بِالنَّارِ. (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني) .
وفي حديث وفد بني المنتفق -وإن كان في إسناده ضعف؛ إلا أن ابن القيم -وجماعة من أهل العلم- قال عنه: إنه حديث عظيم، عليه نور النبوة، تلقته جماعة العلماء بالقبول، وفيه قال: "وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لِأَحَدٍ مِمَّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ؟ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ: وَاللهِ إِنَّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النَّارِ. قَالَ: فَلَكَأَنَّهُ وَقَعَ حَرٌّ بَيْنَ جِلْدِي وَوَجْهِي وَلَحْمِي مِمَّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُؤُوسِ النَّاسِ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ: وَأَبُوكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ ثُمَّ إِذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَأَهْلُكَ؟ قَالَ: وَأَهْلِي، لَعَمْرُ اللهِ مَا أَتَيْتَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْرِ عَامِرِيٍّ أَوْ قُرَشِيٍّ مِنْ مُشْرِكٍ، فَقُلْ: أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ مُحَمَّدٌ فَأُبَشِّرُكَ بِمَا يَسُوؤُكَ، تُجَرُّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النَّارِ. قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إِلَّا إِيَّاهُ، وَكَانُوا يَحْسِبُونَ أَنَّهُمْ مُصْلِحُونَ قَالَ: ذَلِكَ لِأَنَّ اللهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلِّ سَبْعِ أُمَمٍ نَبِيًّا، فَمَنْ عَصَى نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ، وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيَّهُ كَانَ مِنَ الْمُهْتَدِينَ".
قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: "هذا حديث كبير جليل تنادي جلالته وفخامته وعظمته على أنه قد خرج من مشكاة النبوة" (انتهى) .
وأما الجزم لكافر معين فلان بن فلان أنه في النار، فهذا إذا ورد فيه نص من كتاب أو سنة: كفرعون، وهامان، وجنودهما، وقارون، والأقوام الذين هلكوا على الكفر: كقوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وقوم شعيب؛ فكل هؤلاء قامت عليهم الحجة الرسالية، ووردت النصوص بموتهم على الكفر بأعيانهم؛ لأن الله نَجَّى الأنبياء وجميع المؤمنين معهم، وأهلك الكفار؛ فلا شك في كفر هؤلاء بأعيانهم بالعموم، وكذلك في أبي لهب كما قال -تعالى-: ( تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ . مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ . سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ . وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ) (المسد: 1-5) .
وقد نازع بعض الجهال في زماننا في خلود أبي لهب في النار، وقالوا: إنه يفعل الله ما يشاء، فيمكن أن يغفر له! وهذا تكذيب للقرآن العظيم، وجهل مُبيِن، واحتجاج بمذهب باطل في غير موضعه؛ فإنهم احتجوا بمذهب الأشاعرة في تجويز أن يُنَعِّم الله -عز وجل- الكفار ويدخلهم أعلى عليين، وأن يعذِّبَ المؤمنين ويدخلهم النار أسفل سافلين، وغفلوا عن الإضافة التي قالوها لتخفيف مذهبهم الباطل؛ قالوا: لكن الله أخبرنا أنه لا يفعل ذلك، فحذف هؤلاء المتأخرون هذه العبارة التي أوضحها هؤلاء الأشاعرة، وإن كنا نجزم ببطلان مذهبهم في تجويز ذلك، فإن ذلك منافي للحكمة، لكنهم نفاة للحكمة والتعليل، والذي لا شك فيه: أن الله قد أخبر بأنه يدخل المؤمنين الجنة، ويدخل الكفار النار، ولم يخبرنا بما قالوه!
وأما أن يعمم إنسان هذه المسألة دون القول بأن الله أخبرنا أنه لا يفعل ذلك، حتى ينص في المعين الذي نُصَّ على كفره وخلوده في النار -كأبي لهب-، بأنه يمكن أن يدخله الله الجنة، وأن الله يفعل ما يشاء؛ فهذا تكذيب لقوله -تعالى-: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ) (النساء: 48) ، فقد أخبرنا الله بمشيئته في خلود هؤلاء الكفار في النار وأخبرنا بتعيين مَن عَيَّن منهم: كأبي لهب؛ أولأجل قرابته من الرسول -صلى الله عليه وسلم- نكذب على الله، ونكذب بآيات القرآن؟! نعوذ بالله من ذلك.
وكذا ممَّن ورد فيهم النص: أبو طالب عم النبي -صلى الله عليه وسلم- سبب نزول الآية، وقد تقرَّر في الأصول: أن العام إذا ورد على سبب، كان هذا السبب قطعي الدخول في هذا العموم؛ فلا يجوز أن يُخرَج منه.
