الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (132) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (7)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
وأما الكفار في الأزمنة المختلفة، ومنهم في زماننا هذا مِن اليهود والنصارى والملاحدة والمشركين بالأنواع المختلفة، فنحن لا نعيِّن أحدًا منهم بعينه في النار؛ لاحتمال أن يكون ساعة احتضاره قد أسلم ونطق الشهادتين، وقد غِبنا عن ذلك، وربما كتم عنا ذلك أهلُه؛ فقد دَلَّ حديث وفاة أبي طالب أنه لو نطق الشهادة حال احتضاره قبل الغرغرة لشفع له النبي -صلى الله عليه وسلم- ونجا، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ العَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني) ، وإن كنا نجزم بأنه إن مات هذا الميت على الكفر -كما هو الظاهر-؛ فهو بعينه مخلد في النار.
قال الشيخ ابن باز -رحمه الله-: "ظاهر الأدلة الشرعية أنه لا تجوز -(أي: عبارة المغفور له فلان)-؛ لأنه لا يجزم، لأن الله هو الذي يعلم الحقائق -سبحانه وتعالى-، فأهل السنة والجماعة يقولون: لا نشهد لمعين بجنة ولا نار، ولا بالمغفرة؛ إلا مَن شهد له الله أو رسوله -عليه الصلاة والسلام-، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيئ، والمؤمنون في الجنة والكفار في النار.
أما أن يقال: فلان بن فلان مغفور له، أو في الجنة، لا، إلا مَن شَهِد له الرسول -صلى الله عليه وسلم- كالعشرة: الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وأبي عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، عشرة شهد لهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بالجنة -رضي الله عنهم- وجماعة آخرين.
فالمقصود: مَن شهد له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالجنة؛ نشهد له، وهكذا مَن شهد له الله أو رسوله بالنار، نشهد له بالنار كـأبي لهب.
أما نحن فلا نشهد لواحدٍ معينٍ، نقول: فلان بن فلان في الجنة، وفلان بن فلان في النار، لكن نقول: إن كان مؤمنًا، ومات على هذا، فهو من أهل الجنة، وإن كان كافرًا ومات على كفره، فهو من أهل النار، نشهد بالعموم".
وسُئِل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك: "ما حكم الشهادة على الكافر بعينه، أنه من أهل النار؟ وهل هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة؟
الإجابة: القاعدة: أنه لا يشهد لمعين بأنه في الجنة أو في النار إلا مَن قام الدليل على حكمه في الآخرة، وقد نص أهل العلم في كتب العقائد: أنه لا يشهد لمعين من أهل القبلة بجنة ولا نار؛ إلا مَن شهد له الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فمَن قام الدليل على أنه في الجنة وَجَب الإيمان بأنه في الجنة، ومن قام الدليل على أنه بعينه في النار وجب الإيمان بأنه في النار؛ وإلا فالواجب إطلاق الحكم العام بأن المؤمنين في الجنة والكفار في النار؛ لأن الكافر المعين لا يُدرى على ماذا يموت، أو لا يدرى ما مات عليه، فالله أعلم بأحوال عباده، وكذا لا يعلم عن حالة بينه وبين ربه: هل هو ممَّن يعذره الله أو لا يعذره.
فلهذا أقول: إن الواجب هو الجزم بالحكم العام بأن الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، وسائر أمم الكفر في النار كما نطق بذلك القرآن: ( الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ ) (النحل: 88) ، وقال -تعالى-: ( لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) (المجادلة: 17) .
نعوذ بالله من الكفر بالله، ونسأله -سبحانه وتعالى- الثبات على الإسلام بمَنِّه وكرمه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمدٍ، وعلى آله وصحبه" (انتهى) .
