الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (133) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (8)
الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقال الله -تعالى-: ( مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ . وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (التوبة: 113-114) .
الفائدة الخامسة:
قوله -تعالى-: ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ) دليل على أن إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- استغفر لأبيه ولم يغفر الله له، والذين تأوَّلوا أن آزر كان عمه يرد عليهم: بأن كلَّ المواضع التي ذَكَر الله فيها أبا ابراهيم لم يذكر مرة واحدة أنه عمه، بل في كلِّ المواضع ذَكَر الله أنه أبوه، وليس على سبيل الاحترام، بل على سبيل الخبر؛ فلا دليل على هذا التأويل فهو باطل.
فالقرابة من الصالحين ولو كانوا أنبياء، والاستغفار من الأولياء الأقارب ولو كانوا أنبياءً أو رسلًا ولو كان حتى خليلًا لله، لا ينفع المشرك الذي مات على الشرك وقد بلغته الدعوة، فالواجب على كلِّ مؤمن أن يجتهد في دعوة أقربائه إن وُجِد فيهم مشرك، وكذا إذا وُجِد فيهم عاصٍ؛ لأن فرصتهم الوحيدة أن يتوبوا إلى الله -عز وجل- ويدخلوا في الإسلام قبل الموت، وإن كان العصاة يجوز الاستغفار لهم والترحم طالما لم يكونوا كفارًا.
الفائدة السادسة:
دَلَّت الآية على أن الله قد لا يستجيب بعض دعاء أنبيائه ورسله؛ ليكون ذلك دليلًا على التوحيد، فقد استغفر إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه وهو حي حتى يهديه الله فلم يستجب له، ولم يهده الله ومات على الكفر، واستغفر النبي -صلى الله عليه وسلم- لعمه أبي طالب وكان يحب أن يهتدي إلى الإسلام فلم يهتدِ، ولم يُغفر له، ونُهي عن ذلك -صلى الله عليه وسلم- رغم شدة حبه لإسلامه وهدايته؛ لأن الله -عز وجل- أعلم حيث يجعل هدايته، ( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) (القصص: 56) .
وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- على أقوام ولعنهم؛ فأنزل الله -عز وجل- عليه: ( لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ ) (آل عمران: 128) ، فتاب الله -عز وجل- عليهم، ولم يستجب له -صلى الله عليه وسلم- في عذابهم، بل هداهم وأتى بهم؛ فالملك لله وحده هو الفعَّال لما يريد، لا شريك له في ملكه وأمره.
وإن كان دعاء الأنبياء والصالحين وهم أحياء مِن أعظم الوسائل والأسباب في إجابة الدعاء، لكن لا بد من تعلُّق القلب بالله وحده لا شريك له، ولا يجوز لأحدٍ أن يجزم أن أحدًا لو دعا لأحدٍ أو على أحدٍ، فلا بد أن يستجاب له، بل الامر كله لله وإليه يرجع -سبحانه وبحمده-.
الفائدة السابعة:
في قوله -تعالى-: ( إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ ): دليل على فضل الوفاء بالوعد، ولو كان لكافرٍ، وكذا العهود؛ فإن الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- لا تغدر، ولا تخلف الوعد، كما قال -تعالى- عن إسماعيل -صلى الله عليه وسلم-: ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) (مريم: 54)، وكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينقض العهد، ولا يخلف الوعد ولو مع الكفار، وهذا من أدلة نبوته، وقد استدل هرقل بذلك على نبوته -صلى الله عليه وسلم- كما في قصة كلامه مع أبي سفيان، وسؤاله: هل يغدر؟ فقال: لا. قال: وكذلك الرسل لا تغدر.
فالواجب على المؤمن أن يفي بوعده دائمًا في وقته، وبالصفة التي وَعَد بها، ويفي بالعهد أيضًا ولا يغدر، ولو كان مع كفار وظلمة ومعتدين؛ فإن أبا إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- كان معتديًا عليه مهدِّدًا له، متوعدًا له على نصيحته؛ قال -تعالى-: ( قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا . قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ) (مريم: 46-47) .
المسألة الثامنة:
مدح الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- بأنه أواه حليم في موضعين من القرآن، هذا واحد منهما، والثاني في سورة هود في شأن قوم لوط، قال الله -تعالى-: ( فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ . إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ . يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ ) (هود: 74-76) ، مع أنه -سبحانه وتعالى- لم يستجب له في الموضعين؛ لا لعدم استحقاق إبراهيم لإجابة دعائه، بل هو مسبِّح دَعَّاء عابد، خاشع متضرع، ولكن كان المانع في المدعو لهم؛ فهم الذين لا يستحقون الهداية، ولا تصلح لهم، وهو -سبحانه وتعالى- أعلم حيث يجعل هدايته، هو أعلم بالمهتدين.
