شعار المكتبة الرقمية للدعوة السلفيةمكتبة الدعوة السلفية الرقمية
دخول قبسات

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (133) استغفار إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه حال حياته وتبرؤه منه بعد أن مات على الكفر (8)

الشيخ ياسر برهامي • المنهج السلفي

وهذا يدل على أنه رغم عدم استجابة دعائه -عليه الصلاة والسلام-؛ إلا أن الله -تعالى- يحب فيه الصفات التي جعلته يدعو لمَن دعا لهم بهذه الأدعية؛ فإن كثرة الدعاء وكثرة التسبيح، وكثرة العبادة، والتضرع والخشوع، واليقين، والرحمة بعباد الله والحلم عنهم، وحب هدايتهم؛ كل هذه الصفات يحبها الله، حتى ولو كان المدعو لهم والذين تُرجى لهم الرحمة ليسوا أهلًا لذلك، لكن الله يحب مِن عباده المؤمنين هذه الصفات، وهو -سبحانه- يفعل ما يشاء، فلا تكونوا أيها الدُّعَاة إلا رحماء حلماء، ولتكن دعوتكم إلى الله مصحوبة بحب هداية الخلق ورحمتهم، وكونوا حلماء عنهم وليس أن تحبوا عقابهم، وإنما طلب موسى -صلى الله عليه وسلم- عقاب فرعون وموته على الكفر حين قال: ( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا ‌لِيُضِلُّوا ‌عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ ) (يونس: 88) ؛ إنما كان ذلك بعد كفر وعناد، وجبروت شديد، وإعراض عن الحق من فرعون رغم تيقنه به هو وقومه، وكان في بقائه إضلال عن سبيل الله، وقد ضَمَّن موسى -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمر، فقال: ( رَبَّنَا ‌لِيُضِلُّوا ‌عَنْ سَبِيلِكَ )، والله لا يحب ذلك؛ فلذا دعا عليهم بالهلاك، وذلك لأن في بقائهم إضلالًا لعباد الله -عز وجل-.

وكذا نوح -صلى الله عليه وآله وسلم- في دعوته على قومه بعد أن أوحى الله -عز وجل- إليه: ( ‌إِلَّا ‌مَنْ ‌قَدْ ‌آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ) (هود: 36) ، فلما عَلِم أنهم لن يهتدوا وسيظلون على الكفر، دعا عليهم بالهلاك بعد إعراض تسعمائة وخمسين عامًا؛ قال الله -عز وجل-: ( وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ ‌لَا ‌تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا ) (نوح: 26-27) ، فكان الدعاء بهلاكهم؛ لأجل أن لا يضلوا أحدًا، وأما هم فلا يهتدون.

فهل وجدتم أيها الدُّعَاة مِن الناس الذين تدعونهم إعراضًا وكفرًا كهذه المدة، وبهذا العتو والجبروت؟!

ثم الله أعلم بالظالمين، وهو أعلم بالشاكرين، وأعلم بالمهتدين، يفعل ما يشاء، هو يحب منكم أن ترحموا الخلق وأن تحلموا عنهم، وهو -عز وجل- أعلم بهم، فقولوا كما قال مؤمن آل فرعون بعد نصحه وحرصه على هداية قومه وخوفه عليهم من عذاب الدنيا والآخرة، فأعرضوا ولم يقبلوا نصيحته: ( وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ ‌اللَّهَ ‌بَصِيرٌ ‌بِالْعِبَادِ ) (غافر: 44) .

الفائدة التاسعة:

قوله -تعالى-: ( فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) دَلَّ وصفه -تعالى- لأبي بأنه ( عَدُوٌّ لِلَّهِ ): أنه مهما كان القريب محبوبًا لله -عز وجل-، لكن كان قريبه مخالفًا في الدين؛ فإنه يوصف بعداوة الله -عز وجل-، وكذا عداوة المؤمن؛ ولو كان أبًا أو ابنًا، كما قال -عز وجل- لنوح -عليه الصلاة والسلام-: ( ‌يَا نُوحُ ‌إِنَّهُ ‌لَيْسَ ‌مِنْ ‌أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ) (هود: 46) .

ودَلَّ قوله -عز وجل-: ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ) على وجوب البراءة من المشركين، وذلك يتضمن البغض والعداوة، وعدم الطاعة، والمخالفة في الهدي الظاهر والباطن، وعدم التشبه بهم، وعدم النصرة، وعدم الصداقة؛ فكل هذه المعاني داخلة في قوله -سبحانه وتعالى-: ( تَبَرَّأَ مِنْهُ ).

وهذا أعظم مسائل الدين؛ البراءة من الشرك وأهله، والبعض في زماننا يخطئون خطأً بيِّنًا حين يقولون: نحب حميع الناس ولو كانوا كفارًا ونتبرأ من كفرهم، أو نبغض كفرهم؛ كأن الكفر شيء في الهواء لا يحصل في واقع الناس وفي حياتهم!

وقد ذكر الله -عز وجل- براءة إبراهيم من أبيه وقومه، وهم أشخاص معينون كما قال -سبحانه-: ( وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ . إِلَّا الَّذِي ‌فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ ) (الزخرف: 26-27) ، وظن هؤلاء أن هذا يخرجهم من حرج الاتهام بالكراهية عند القوم المجرمين؛ لأنهم يحرِّمون الكراهية، ولو كانوا يطبقون ذلك ضد المسلمين بأبشع الصور ويكرهون الإسلام وأهله، ومع ذلك يجرِّمون أن تصرِّح بكراهية أهل دين، أو بكراهية الدِّين نفسه، وظن هؤلاء أن ذلك مخرج لهم وليس بمخرج! وهو مخالف لنصوص الكتاب والسُّنة في البراءة من أعيان الكفار، ومِن عموم أشخاصهم؛ طالما بقوا على الكفر.

نسأل الله العافية .

الصفحة السابقة