أضواء على المشير أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المصرية أثناء حرب أكتوبر 73 (1-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
وفي آخر عام 1956 التحق أحمد إسماعيل ببعثة إلى أكاديمية (فرونز) العسكرية في روسيا للتدريب مع ثمانية من ضباط الجيش المصري، فلما عاد عمل بالتدريس في ثلاث مدارس (الأسلحة والذخيرة) و(كلية أركان حرب) و(المشاة)، ثم تولى بالنيابة رئاسة أركان حرب المنطقة العسكرية الشرقية، ومنح في عام 1962 رتبة لواء. وعُيِّن في نفس العام 1962 قائدًا عامًّا للفرقة الثانية مشاة، حيث أعاد تشكيل الفرقة على أحدث الأساليب العسكرية.
هزيمة يونيو 1967 المؤلمة:
شهد أحمد إسماعيل هزيمة حرب يونيو 1967، وقد كتب في مذكراته عن أحداث يوم الخامس من يونيو، فقال: (بالنسبة لي فقد استقبلت يوم 5 يونيو عام 1967 وأنا بصحبة الفريق أول عبد المحسن مرتجي قائد جبهة سيناء، وكنت وقتها رئيس أركانه، كنا نقف في الثامنة والنصف صباحًا في مطار (تمادا) العسكري في انتظار وصول طائرة المشير عبد الحكيم عامر لتفقد أحوال الجبهة. كان قادة التشكيلات العسكرية بسيناء متواجدين في المطار معنا ليكونوا في استقبال المشير عامر الذي لم يأتِ، وبدلًا من هبوط طائرته فوجئنا بالطائرات الإسرائيلية تدك المطار على ارتفاعات منخفضة، بينما مدافع الطائرات المصرية لا تستطيع دفع أي شيء عن المطار حيث إن أوامر كانت قد صدرت لها منذ الصباح الباكر بتقييد نيرانها انتظارًا لطائرة المشير! وهكذا سارع كل القادة المحتشدين بالهرب من نيران الطائرات والقاذفات الإسرائيلية والذهاب إلى مقار قيادتهم، وسارعت أنا بالعودة إلى مقري في جبل (الميثان) بوسط سيناء، وأنا أراجع أحداث الأشهر القليلة السابقة على ذلك اليوم الذي تتابعت نكباته، وأدركت صدق حدسي في السابق من أننا اندفعنا في مغامرة عسكرية وسياسية غير محسوبة وغير متوازنة، وأنها لم تبنَ على معلومات وخطط دقيقة، والأكثر كارثية أنه لم يكن هناك تكامل بين الرؤيتين العسكرية والسياسية!
لقد كان كل منهما يسير في اتجاه رغم الدفع بالحشود العسكرية لسيناء، ولكم أن تتخيلوا حجم الغموض والكارثية حينما أعترف أنني كرئيس أركان لقوات جبهة سيناء لم أكن أعلم على وجه اليقين مهام القوات التي تم حشدها في سيناء! وهل ستقوم بالدفاع أو الهجوم؟! ووجدتُ أننا لم نبدأ الضربة القتالية في ساحة المعركة العسكرية، لكننا كنا البادئين سياسيًّا، وبشكل يوحي لإسرائيل والعالم أننا بصدد المبادرة بتوجيه ضربة عسكرية لها، وذلك باتجاه عدد من القرارات، ومنها قرار جمال عبد الناصر لقوات الطوارئ الدولية بترك المنطقة العازلة بيننا وبين إسرائيل منذ عام 1956 في الوقت الذي لم تحل محلها قوات عسكرية مصرية.
وبين المشهد السياسي المندفع في قراراته وبين المشهد العسكري المرتبك في رؤيته وأهدافه، تعرَّض المقاتل المصري لأسوأ عملية عسكرية، لم تتح له فيها فرصة الدفاع عن نفسه وسمعته القتالية، والدليل ما قامت به القوات العسكرية بالعريش، لم تتوقف عن قتال العدو إلا بعد صدور الأمر السياسي لها من القاهرة بالانسحاب أثناء عملية القتال).
وأضاف: (كان الانسحاب نفسه كارثة أخرى، فقد أصدر المشير عبد الحكيم عامر قرارًا بانسحاب القوات دون توفير حماية جوية تضمن سلامتها أثناء عملية الانسحاب، التي صدر القرار بها في الثانية صباحًا يوم السادس من يونيو. وكان على القوات المصرية السير مسافة 200 كيلو متر بدون أي خطة معدة سلفًا لتنظيم عملية الانسحاب. انسحبت القوات المصرية من صحراء سيناء إلى خط المياه عند الضفة الغربية للقناة دون أي نظام، حيث رفضت كل اقتراحات قادة الجيش التي قدموها للمشير بأن يتم الانسحاب خلال 72 ساعة. فسارت القوات شاردة في كلِّ اتجاه، لا هدف للجميع سوى الوصول للضفة الغربية للقناة للابتعاد عن ضربات العدو الإسرائيلي) (راجع كتاب: مشير النصر، مذكرات أحمد إسماعيل وزير الحربية في معركة أكتوبر 1973، إعداد مجدي الجلاد – ط. دار نهضة مصر – ط. أولى أكتوبر 2013، ص 46 - 47) .
بعد هزيمة 1967 تولى أحمد إسماعيل رئاسة هيئة التدريب، حيث أنشأ ما عرف بـ(مدارس المعركة المتحركة) التي تم من خلالها إرسال ضباط وفنيين من إدارة التدريب المركزية إلى الجبهة لتدريب الضباط وضباط الصف في فِرَق تعليمية قصيرة مركزة، وكان لهذه المدارس المتحركة دور كبير في ذلك الوقت؛ لأن الظروف لم تكن تسمح بعودة الضباط وضباط الصف للتدريب في القاهرة وتغيبهم عن مواقعهم، وقام بعمل أول خط دفاعي، وإعادة تنظيم القوات وتسكينها غرب القناة وتدريبها وتسليحها.
وفي الأول من يوليو 1967 تم تعيينه قائدًا للجبهة، فاختار اللواء محمد عبد الغني الجمسي، والعميد حسن الجريدلي ليتحملا معه مسئولية إعادة تنظيم الجبهة؛ قال أحمد إسماعيل في مذكراته: (انشغلتُ في تلك الفترة بإجراء تقدير موقف سريع ووضعت لنفسي أهدافًا محددة، أهمها: إعادة تنظيم القوات وشئونها الإدارية وتدريبها، وإعادة الضبط والربط إليها، وإعادة الثقة في نفوس الأفراد، وبث الروح القتالية، والمحافظة على أمن القوات، ومنع العدو بجميع الوسائل والإمكانات المتيسرة من عبور قناة السويس، والرد بعنف على اشتباكات العدو الخاطفة. وطوال الشهور الثلاثة التالية عملت على رفع الروح المعنوية للقوات من خلال بعض الإجراءات والعمليات، كان أهمها: معركة رأس العش، وتدمير المدمرة إيلات وإغراقها، وتسلم الأسلحة والذخائر والمعدات الجديدة وتكثيف الفرق التعليمية، وإعطاء الثقة للجنود والضباط في أسلحتهم، والمرور على الوحدات يوميًّا (المصدر السابق، ص 52) .
