الكبائر (33) الظلم (موعظة الأسبوع)
الشيخ سعيد محمود • خطبة الأسبوع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
المقدمة:
- الكبائر هي تلك الذنوب المهلكة التي ضمن الله لمَن اجتنبها في الدنيا، الجنة في الآخرة: قال -تعالى-: ( إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا ) (النساء: 31) .
- الظلم من الكبائر العظام، والقبائح الجسام، فهو إثم عظيم، وذنب مرتعُه وخيم: قال الله -تعالى- في الحديث القدسي: ( يَا عِبَادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا... ) (رواه مسلم) .
- تعريف الظلم: هو وضع الشيء في غير محله.
(1) ذم الظلم والنهي عنه:
- الله -سبحانه وتعالى- عَدْل ويأمر بالعدل، وينهى عن الظلم: ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) (النحل: 90) ، ( وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ ) (غافر: 31) .
- أرسل الله الرسل وأنزل الكتب لمنع الظلم بأنواعه من الأرض: قال -تعالى-: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) (الحديد: 25) .
- بيَّن -سبحانه وتعالى- أن الظلم سببٌ للبلاء والهلاك في الدنيا قبل الآخرة: قال -تعالى-: ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِن قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ) (يونس: 13) ، وقال: ( فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ) (الحج: 45) ، وقال: ( وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ ? إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ) (هود: 102) .
- وبين -سبحانه وتعالى- أن من عواقب شيوع الظلم في الدنيا، تعميم العقوبة إذا رضي الناس به، مع قدرتهم على منعه: قال -تعالى-: ( وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) (الأنفال: 25) ، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ مِنْهُ ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) (1) .
(2) أنواع الظلم:
الظلمُ نوعان: أحدهما ظلمُ النَّفْس، وهو على قسمين:
- الأول: الشِّرْكُ بالله -تعالى-، فإنَّ المُشْرِكَ جَعَلَ المخلوقَ في مَنزِلةِ الخالق، فعَبَدَهُ وتألَّهَه، قال -سبحانه-: ( إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ) (لقمان: 13) .
- الثاني: ظُلم النَّفسِ بالمعاصي على اخْتِلاف أجناسِها من كبائر وصغائر، فكُلُّ معصيةٍ يرْتكبُها العبدُ إنما هي ظُلمٌ لنفسه التي أمره الله بحفظها: قال -تعالى-: ( وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ) (الطلاق: 1) ، وقال: ( إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) (يونس: 44) .
والنوع الثاني من الظلم:
- ظُلمُ العبدِ لغيره من الناس، وهو المقصودُ بالترهيب والتحريم في أكثر النصوص التي تربي المؤمنين: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ... ) (رواه مسلم )، وقال: ( المُسْلِمُ أخُو المُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ ولَا يُسْلِمُهُ... ) (متفق عليه) ، وقال: ( انْصُرْ أخاكَ ظالِمًا أوْ مَظْلُومًا ) فقالَ رَجُلٌ: يا رَسولَ اللَّهِ، أنْصُرُهُ إذا كانَ مَظْلُومًا، أفَرَأَيْتَ إذا كانَ ظالِمًا، كيفَ أنْصُرُهُ؟ قالَ: ( تَحْجُزُهُ -أوْ تَمْنَعُهُ- مِنَ الظُّلْمِ؛ فإنَّ ذلكَ نَصْرُهُ ) (رواه البخاري) .
(3) صور من الظلم:
- التطاوُلُ على أموالِ اليتامى والضعفاء: ( إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ) (النساء: 10) .
- التَّسْويفُ والتأخيرُ في قضاء الدين مع القدرة: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ ) (متفق عليه) .
- حِرمانُ المرأةِ من حقِّها في الميراث من أبيها أو زوجِها أو مُوَرِّثِها أيًّا كان، أو المماطلةُ في ذلك: قال -تعالى-: ( يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ) وقال في آخرها: ( آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ) (النساء: 11) .
- ظلمُ الأُجَرَاء والمُستَخدَمين من عُمَّالٍ ونحوِهم ببخسِهِم حُقوقَهم، أو تأخيرِها عن أوقاتها، أو تغييرِ الاتفاقِ المُبْرَمِ معَهُم، أو إِهانَتِهم بقولٍ أو فِعْل: قال النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: ( قالَ اللَّهُ: ثَلاثَةٌ أنا خَصْمُهُمْ يَومَ القِيامَةِ: ... ورَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أجِيرًا فاسْتَوْفَى منه ولم يُعطِه أَجْرَهُ ) (رواه البخاري) .
- الأذى الجَسَدي أو اللفظي، أو النَّفْسي للغير: قال النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: ( إنَّ اللهَ يُعذِّبُ الذين يُعذِّبون الناسَ في الدنيا ) (رواه مسلم) .
- ظلم الزوجة بالتَّقْتيرِ عليها، أو سُوءِ مُعامَلتِها أو إهانَتِها أو هَجْرِها أو تَهْديدِها أو عَدَمِ حُسْنِ الخُلُقِ مَعَها: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني) .
- ظلم الجيران بالاعتداء على حقوقهم وحرمتهم: قال النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: ( مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جَارَهُ ) (متفق عليه) .
