أضواء على المشير أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المصرية في حرب أكتوبر 1973م (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
كان أحمد إسماعيل بحكم عمله رئيسًا للمخابرات العامة يقابل السادات بشكل مستمر، وكان السادات يتناقش معه في أمر الحرب مع إسرائيل من وقت لآخر؛ خاصة وأن السادات كان قد أعلن أن هذه السنة هي سنة الحسم، وخلال تلك المقابلات أدرك أحمد إسماعيل أن السادات لديه نية قوية لإعلان الحرب على إسرائيل، فانتهز الفرصة وعرض عليه رؤيته وخطته للحرب وتحرير سيناء على مراحل، تبدأ بالحصول على الضفة الشرقية للقناة أو جزء منها.
تولي وزارة الحربية:
قال المشير في مذكراته: (كان اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في 24 أكتوبر 1972 الذي انعقد في مكتب الرئيس بالجيزة في الساعة التاسعة من المساء، واستمر ثلاث ساعات وربع الساعة يعتبر أخطر اجتماع تاريخي إذا أردنا أن نقيم الوثائق العسكرية لحرب أكتوبر. لقد حدَّد الرئيس السادات في هذا الاجتماع الموقف الحاسم دون أن يسمح بأي تراجع أو تشكيك؛ الموقف هو الحرب، وتحريك القضية عسكريًّا. وأعلن للقادة في هذا الاجتماع أنه ليس الرجل الذي يناور لكي يحتفظ بكرسي الرئاسة، وأعلن أنه لن يستسلم، وأن الموت في سبيل الأرض أشرف من هذه الحياة المهينة. وقال لأعضاء المجلس الأعلى: إنه يستدعيهم ليبلغهم هذا القرار المصيري، لا مناقشة في قرار الحرب، ولكن يجب الاستعداد بالتخطيط والدراسة، والاعتماد على ما نملك من تسليح... وعلينا أن نعوض التفوق الإسرائيلي بروح العسكرية المصرية، بروح المقاتل المصري، بشجاعة الإنسان المصري. وفي هذا الاجتماع اتضح أن بعض القادة لا يريدون الحرب، وقد كونوا تفكيرهم على أن إسرائيل ستنتصر وتضرب في الأعماق، وستكون النتيجة خرابًا... وذلك بسبب موقف الاتحاد السوفيتي من ناحية التسليح).
وذلك لأن الاتحاد السوفيتي كان يتعنت في إمداد مصر بما تحتاجه وتطلبه من السلاح؛ خاصة بعد طرد السادات للخبراء السوفييت من مصر، بل كان يرفض على الدوام مد مصر بأسلحة هجومية مقتصرًا على مدها بالأسلحة الدفاعية وفي حدود (وغضب أنور السادات في هذا الاجتماع، وأصر على قرار الحرب، وأعلن أنه مؤمن بالعسكرية المصرية، وإذا كانت إسرائيل متفوقة في الجو... فلن تتفوق أبدًا على الأرض، وأنه علينا أن نواجه قدرنا ومصيرنا بشجاعة... إن الاتحاد السوفيتي لن يحارب من أجلنا، ونحن نرفض أن يحارب أحد من أجلنا، هذه معركتنا، إما أن نكون أو لا نكون، هذا قدرنا التاريخي، ويجب أن نواجهه.
كانت جلسة عاصفة، ولكن غالبية أعضاء المجلس الأعلى أعلنوا أنهم مصرون على المعركة ومستعدون للتضحية، وبعد هذه الجلسة صدرت قرارات الرئيس بإعفاء الفريق صادق وزير الحربية، واللواء عبد القادر مساعد وزير الحربية) (المصدر السابق، ص 127 - 128 بتصرفٍ) .
وفي 26 أكتوبر 1972 م الموافق 19 رمضان 1392 هـ، عين الرئيس السادات أحمد إسماعيل وزيرًا للحربية وقائدًا عامًّا للقوات المصرية، وكلفه بإعداد القوات المسلحة للقتال بخطة مصرية خالصة.
كانت أول جلسة للمجلس الأعلى للقوات المسلحة -أي: مع قادة الجيش- تعقد برئاسة أحمد إسماعيل بعد 48 ساعة من توليه الوزارة -أي: في 28 أكتوبر- فكانت توجيهاته:
- أن القضية لن تحل سلميًّا، ومهمتنا تحرير الأرض بالقتال، والسبيل لتحرير الأرض هو القوات المسلحة.
- المهم أولًا التأكد وفورًا من كفاءة الخطة الدفاعية عن الدولة.
- يجب أن تشعر إسرائيل أننا قادرون وبشتى الوسائل على استرداد الأرض وتكبيدها خسائر لا تتحملها.
- من اليوم حتى بدء القتال يجب أن يستغل الوقت المتيسر وبجدية كاملة في سبيل المعركة، وهذا يتطلب إتقان كل فرد عمله، مع الجدية في التدريب، والمحافظة على السلاح، وتكاتف الجميع كفريق واحد يعمل لهدف واحد هو المعركة.
وفي الاجتماع الثاني في الشهر الثاني من تولي القيادة كانت العجلة على الجبهة تدور بجدية، وأكد أحمد إسماعيل على:
- وجوب الاقتناع الكامل بأنه لا يوجد حل سلمي، وأننا عسكريون لا دخل لنا بالسياسة.
- لا بد من المعركة لحل القضية، وسنقاتل -بإذن الله-.
- إن المعركة ستكون شرسة، فلا بد من الاستعداد لها تمامًا.
- إن المعركة ستكون بإمكانياتنا المتيسرة، وبحسابات دقيقة دون تهور، وفي الوقت نفسه دون تخاذل.
- إننا لسنا وحدنا في المعركة، فبعد الزيارة لسوريا تأكد إمكانية التنسيق معها، وستكون له نتائج حاسمة -بمشيئة الله-.
وبنى أحمد إسماعيل العمل على مراحل ثلاثة:
الأولى: الاطمئنان التام على الخطة الدفاعية الموضوعة ومراجعتها بواسطة القادة على كافة المستويات، واستكمال مسرح العمليات بما يؤمن الخطة الدفاعية ويخدم المعركة الهجومية، وتجهيز الردع، والتدريب المتواصل والشاق ليل نهار لإعداد القوات لمهامها.
الثانية: إعداد الخطة الهجومية، واستكمال تجهيز مسرح العمليات للهجوم.
الثالث: استكمال إعداد القوات للهجوم، وانتظار القرار السياسي لبدء العمليات وبكل جدية، مع التأكيد على الابتكار وعدم النمطية والعناية الكاملة بالأسلحة والمعدات.
التنسيق مع سوريا وتوريد صفقة الأسلحة الروسية:
قال أحمد إسماعيل في مذكراته: (كان الإعداد للحرب يتطلب مني أداء مهمتين: الأولى: التنسيق مع سوريا في سرية تامة للدخول في الحرب، بعد أن طلب الرئيس أنور السادات مني بدء الاستعداد للحرب فعليًّا، وهو ما استدعى سفري إلى سوريا يوم 10 نوفمبر عام 1972. وكان معي اللواء محمد عبد الغني الجمصي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة، واللواء حسن الجريدلي سكرتير عام وزارة الحربية، وسكرتيري العسكري حمدي الجندي. وقضينا في سوريا 3 أيام، اجتمعت فيها مع الرئيس حافظ الأسد لمدة 3 ساعات منفردين، وطلب حافظ الأسد أن نكون بمفردنا، وأمر الجميع أن يتركوا المكتب، بمَن فيهم وزير الدفاع السوري، وتحدث معي عن الحرب التي كنا نخطط لها.
وبعد هذه المقابلة وافق الأسد على دخول سوريا الحرب مع مصر، وظللنا خلال ثلاث ساعات نتناقش في كيفية التنسيق بين البلدين، وعدم تخلي أي منهما عن الآخر في الحرب، واتفقت معه على ذلك، وهو ما يفسر تطوير مصر للهجوم على إسرائيل أثناء الحرب يوم 14 أكتوبر عام 1973 لتخفيف الضغط على الجبهة السورية التي كانت إسرائيل قاربت السيطرة عليها.
