أضواء على المشير أحمد إسماعيل القائد العام للقوات المصرية في حرب أكتوبر 1973م (2-2)
الشيخ علاء بكر • السيرة والتاريخ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فقد كان الرئيس السادات مهمومًا ببدء الحرب ضد إسرائيل لتحرير سيناء، وقد قبل السادات في بادئ الأمر مبادرة روجرز -وزير الخارجية الأمريكية- لوقف إطلاق النار بين مصر وإسرائيل لمدة 90 يومًا، ودخول مصر وإسرائيل خلال تلك المدة في مفاوضات غير مباشرة يتولاها مبعوث الأمم المتحدة (يارنج) بشأن تنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 242.
كان بدء تطبيق المبادرة في أغسطس عام 1970، ولكن المبادرة لم تسفر عن جديد، فمع استجابة الطرفان لوقف إطلاق النار، فإن إسرائيل لم تفِ بالشرط الثاني، ولم تمارس أمريكا أي ضغط على إسرائيل للاستجابة للمفاوضات طبقًا لمبادرة روجرز، فما كان من السادات بعد انتهاء مدة المبادرة -الشهور الثلاثة-؛ إلا أن رفض مد وقف إطلاق النار أكثر من تلك المدة رفضًا لسياسة فرض الواقع؛ هذا رغم أن السادات لم تكن لديه حلول نهائية، فالجيش غير مستعد لشن حرب تحرير شاملة يحرر بها أرض سيناء بالكامل، مع صعوبة العودة لمواصلة حرب الاستنزاف مرة أخرى، فهي وإن كانت مكلفة ومرهقة لإسرائيل فهي أيضًا مكلفة لمصر، وبقاء الوضع على اللا حرب واللا سلم كما تريده أمريكا وإسرائيل كذلك أمر مرفوض. ورغم عدم وضوح الرؤية كانت توجيهات السادات لوزير الحربية وقتها الفريق محمد صادق بالإعداد للحرب.
أما أحمد إسماعيل فإنه كان أيضًا مهمومًا بهذا الأمر خلال فترة إحالته للتقاعد، والتي بدأت من 12 سبتمبر 1969 واستمرت قرابة عام ونصف عام، فرغم إحساسه بالظلم والحزن لقرار إبعاده عن الجيش فقد استغل هذا الوقت في المزيد من القراءة في العلوم العسكرية الحديثة، وفي النظر والتأمل في أمر النزاع مع إسرائيل، ودراسة الأوضاع العالمية وأوضاع الجيش. وقد كون لنفسه رؤية وقناعة لحل النزاع مبنية على:
- إنه لا سلام مع إسرائيل بعد هزيمة يونيو 1967 إلا بعد حرب جديدة يغسل فيها الجندي المصري عار الهزيمة.
- إن الانتظار لتحقيق التفوق العسكري على إسرائيل قبل دخول هذه المعركة أمر غير وارد، فهذا يحتاج لوقت طويل، وهذا الانتظار الطويل ليس في صالح مصر، فيجب أن نحارب بما لدينا من سلاح مع الاستفادة من عناصر القوة الموجودة لدينا، ومن عناصر الضعف الموجودة لدى العدو بعد دراسة وعلم.
- في ظل التفوق الإسرائيلي عسكريًّا ومعطيات الموقف السياسي يجب أن يكون تحرير سيناء على مراحل، لا من خلال حرب شاملة؛ تبدأ المرحلة الأولى بما لدينا من سلاح وإمكانيات حالية، وتتضمن عبور القناة وإقامة رؤوس كباري وتدمير الساتر الترابي، واقتحام خط بارليف والاستيلاء على مواقعه الحصينة، ثم التشبث بالأرض والمحافظة على الجيش المصري لاستكمال عملية تحرير سيناء بالكامل على مراحل.
كانت الأفكار تتوارد على خاطره وتؤرقه:
- فتفوق العدو الجوي وضرباته الجوية شبه اليومية والتي قد تستمر لفترات طويلة دون التمكن من الرد عليها بنفس القوة وتكبيد العدو الخسائر المناسبة، ستؤثر على معنويات القوات المسلحة والشعب تدريجيًّا.
- لذا لا بد من التحرك المحسوب بما يتناسب مع إمكانياتنا وقدراتنا للرد على العدو، ومن ذلك: استخدام أسلحتنا التي تتفوق على العدو على نطاق واسع، وهي المدفعية والقوات الخاصة.
- الحاجة إلى دفع النطاق الدفاعي لقواتنا إلى شرق القناة، بعد عملية عبور وإنشاء رؤوس كباري والتشبث بها؛ خاصة وأن العدو قد سحب قواته الرئيسية في سيناء للخلف مما جعلها خارج نطاق نيران المدفعية وأسلحة الضرب المباشر؛ بالإضافة إلى وجود قناة السويس التي تعد عقبة في حرية العمل ضد العدو، فوجود قواتنا في مواجهة مباشرة مع قوات العدو تمكننا من الاستفادة من أسلحتنا التي تتفوق على العدو بكفاءة وتأثير متمثلة في المدفعية والقوات الخاصة، وفي وجودنا في مواجهة مباشرة مع العدو وتحسين مواقعنا تدريجيًّا شرق القناة بعمليات متتابعة يجبر العدو على حشد أعداد كبيرة من قواته في سيناء في مواجهة قواتنا مما يرهق العدو عسكريًّا واقتصاديًّا.
- الحاجة إلى فترة تدريب تتراوح بين 3 إلى 4 شهور يتم فيها تدريب القوات كلٌّ على واجبه فقط، مع التركيز على أعمال الاستطلاع للحصول على معلومات دقيقة حول أوضاع دفاعات العدو، على أن يتم حشد القوات وأدوات العبور والمدافع تدريجيًّا بشكل لا يلفت النظر؛ لتبدو كما لو كانت تحسين لمستوى الدفاع.
- ضرورة دفع الدول الكبرى لوضع حل عادل للموقف بصورة جدية، ونكون به في وضع مشرف لنا سياسيًّا وعسكريًّا (راجع في ذلك: مشير النصر: مذكرات أحمد إسماعيل وزير الحربية في معركة أكتوبر 1973، إعداد مجدي الجلاد: 10، ص 82 - 87) .
وفي صباح يوم 14 مايو 1971 قرر السادات خلال صراعه مع مراكز القوى عودة أحمد إسماعيل للعمل من جديد، وتعيينه رئيسًا للمخابرات العامة، وكانت تربط الرجلين صداقة قديمة بدأت عام 1938 عقب التخرج من الكلية الحربية، والعمل معًا في الكتيبة الرابعة مشاة، فكانا ينامان في حجرة واحدة في أحد ثكنات الكتيبة، وكان السادات يقدر تمامًا كفاءة الرجل وخبراته العسكرية.
قال أحمد إسماعيل عن فترة العمل في المخابرات: (الواقع إن مسئولية إدارة جهاز المخابرات المصرية جعلتني غير بعيد، بل ربما قربتني جدًّا من القوات المسلحة ورفاق السلاح والعمر، لكنني رغم تلك المشاركة والاقتراب المباشر من القوات المسلحة لم أتوقع أن يجيء اليوم الذي أعود فيه إلى القوات المسلحة مرة ثانية، وإلى صفوف الجيش) (المصدر السابق، ص 121) .
وأضاف في موضع آخر: (كثيرًا ما ألمح إلي مراقبون سياسيون أن اختيار السادات لي لرئاسة المخابرات العامة ما هو إلا تمهيد لتولي أمور القوات المسلحة، لكن بعد أن تتهيأ الأمور، وكان هذا صحيحًا فيما بعد، وعلمت أن السادات كان ينوي أن يعهد إليَّ بمهمة قيادة القوات المسلحة من البداية، ولكن لحكمته لم يفعل ذلك مباشرة، وجعل من محطة المخابرات الخطة الأولى لهدفه. وكنت لذلك الرجل العسكري الوحيد الذي رافق الدكتور عزيز صدقي رئيس الوزراء المصري إلى موسكو بينما بقي وزير الحربية في القاهرة) (المصدر السابق) .
